لكل بلد طقوس وعادات اعتادوا عليها، يعدونها جزءً من تراثهم الذي توارثوه عن الأباءِ والأجداد، وإن كانت تلك العادات الموروث مجهولة المصدر والمستند الذي استند إليه في التعامل مع هذه الممارسات سواء كان المصدر شرعي أم اجتماعي، إلا انك تجد الناس لا تقبل الامتناع عن الاتيان بها، بل لعلها تعد الامتناع منقصة وقصور، فما ان تحل ليالي المصاب بجرح الامام علي (عليه السلام)، في ليلة التاسع عشر وكذلك ليلة العشرين من شهر رمضان المبارك، حتى تبدأ بعض العوائل بإبراز تلك الطقوس، فتقوم بعضها بالتهيئة ومن قبل أيام عن حلول تلك الليالي بإحضار موادها الأساسية المعروفة ببساطتها، وهما الماش والرز(التمن)، فيحضر بما يسمى بالمشتهاية، فتكون وجبة تلك الليلة المعتادة عند السحور، باعتقاد أن الامام علي (عليه السلام) قد اشتهى ان يأكل هذه الأكلة في ليلة العشرين من الشهر المبارك، وأخذ الأهالي على هذا الاعتقاد إحياء هذا الطقس من قدم الزمان، فقد وجدنا أهلنا بل عموم الناس على ذلك المضمار، وأن كان ذلك يخالف في حقيقته، ما ورد في بعض الكتب المعتبرة عن السيدة زينب الملقبة بأم كلثوم بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام)، قالت: لما كانت ليلة تسعة عشرة من شهر رمضان قدمت إلى ابي عند افطاره طبقا فيه قرصان من خبز الشعير وقصعة فيها لبن وملح جريش، فلما فرغ من صلاته أقبل على فطوره.
فلما نظر اليه قال: يا بنية، اتقدمين لي لونين في طبق واحد، تريدين ان يطول وقوفي غدا بين يدي الله تعالى! انا اريد ان اتبع اخي وابن عمي رسول الله (صلى الله عليه واله) فانه ما قدم له ادامان في طبق واحد الى ان قبضه الله تعالى.
إلا ان ذلك لم يكن يقصد منه وبحسب اعتقادي، أن الناس تريد الكذب على الامام (عليه السلام) والافتراء عليه بما لا يقع منه، بل أنما هو حبهم وشوقهم للإمام (عليه السلام).
وعلى كل حال فإن تلك الطقوس وأن كانت بعيدة عن حقيقة أن يكون أن الامام قد اشتها وطلب، بعد ان بحثت الكثير عن حقيقة هذه الطقوس، ولم أجد ما يشير إليها، إلا أنها عادة اعتادها الناس قديما واستمرت حتى جيلنا الحاضر.
فهي نوع تكافل اجتماعي، حيث ترى العوائل تتبادل تلك الوجبة السحورية، فيما بينها تقصد منها نيل الثواب والإحسان فتجد اغلب الناس وعلى بساطة تلك السفرة المقدمة، تعيش التكافل الذي يحمل روح الإنسانية، التي دعى إليها الامام علي (عليه السلام) واراد تحققها عند المسلمين.