إنّ أسمى ما نحرص عليه خلال رحلتنا الفكرية مع حياة أئمتنا الأطهار عليهم السلام هو أن نأخذ عنهم الفكر الإسلامي نقياً من منابعه الأصلية، وهم الأمناء على دين الله، وهم الذين قضوا حياتهم مجاهدين في سبيل الحفاظ على سلامة الفكر الإسلامي وخطه الرسالي من الانحراف والتشويش وتطهيره من الأدران التي يدسّها أعداء الدين.
إنّ حياة المعصومين الاثني عشر زاخرة بالحكمة والمعرفة والتبصّر وإن كان ما بلغنا عن بعضهم أكثر من البعض الآخر لا لفضل من أحدهم على غيره، وإنّما كان ذلك بسبب الفرص السانحة التي تسمح في أداء وبيان ما يقوم حقيقة الشريعة والعمل بها، وإنّ من أولئك الذين أتيحت لنا فرصة الاهتداء إلى المزيد من فضائلهم والاستعانة بسيرتهم الإمام علي الرضا بن الإمام موسى الكاظم‘، لقد كانت حياة هذا الإمام فتحاً جديداً في حياة الشيعة آنذاك حيث انطلقوا بأفكارهم وأعمالهم من مرحلة الكتمان إلى الظهور والإعلان، وسادوا جميع البلاد والأمصار ولم يبقى لهم معارض أبداً آنذاك.
نسبه: هو ابن الإمام موسى الكاظم بن جعفر بن محمّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام .
والدته: هي أمّ ولد، واسمها تكتم، ويقال لها: خيزران المريسية وأمّ البنين وسكن النوبية(1).
وقد اشترتها حميدة أمّ الإمام موسى الكاظم، وتربّت على يدها أفضل تربية، ثمّ أوصت ابنها موسى عليه السلام أن يأخذها زوجاً له وقالت: >يا بني إنّ تكتم جارية ما رأيت جارية قط أفضل منها، ولست أشكّ إنّ الله سيظهر نسلها إن كان لها نسل، وقد وهبتها لك فاستوص بها خيراً<(2).
فتزوجها الإمام وولدت له الإمام الرضا عليه السلام ، وقد مدح الشاعر الإمام الرضا عليه السلام وذكر أنّ اسم أمّه تكتم:
لا إنّ خير الناس نفساً ووالداً ورهطاً وأجداداً عليُّ المعظّمُ
أتتنا به للعلم والحلم ثامناً إماماً يؤدّي حجّة الله تكتم(3)
وقد أشهد والده الإمام الكاظم عليه السلام جماعة على إمامة ابنه الإمام علي الرضا عليه السلام (4) وذلك للاحتياط وحتّى لا يدعي الإمامة أحد ولو لزرع الفتنة والخلاف.
وكان مولده بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة وقبض بطوس من أرض خراسان في صفر سنة ثلاث ومائتين، وله يومئذٍ خمس وخمسون سنة<(5).
زوجاته: من زوجاته أم حبيب بنت الخليفة المأمون(6)، وقد زوّجه إيّاها يظهر عن طريق هذا الزواج أنّه مع أهل البيت.
كان الإمام الرضا عليه السلام بمثابة القرآن الناطق لأنّ القرآن معجزة الله لخلقه ييسره ربّنا لمن يستقيم عليه ويصبح غريباً عمن لا يطلع عليه. كان الإمام الرضا عليه السلام حجّة الله في الأرض يهتدي به من يتبعه ويضل عنه من يتركه ويركن إلى غيره.
لقد كان القرآن الكريم خلقاً لرسول الله’، وكان من ميزات الإمام الرضا أنّ له أذناً واعية وبصيرة مدركة لمعاني القرآن ذلك لأنّه جزء من أحد الثقلين، القرآن والعترة الطاهرة الذين كانوا مشكاة نور القرآن ومعدن الرسالة ومهبط الوحي، ولقد تمثّل النور بكلّ وجوده حتّى جاء في الحديث عن أبي ذكوان قال: >سمعت إبراهيم بن العباس يقول: إنّي ما رأيت الرضا عليه السلام سُئل عن شيء قط إلّا علمه، ولا رأيت أعلم منه بما كان من الزمان إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كلّ شيء فيجيب فيه، وكان كلامه كلّه وجوابه وتمثيله بآيات من القرآن<(7).
إمام أطاع الله حق طاعته طيلة حياته فأحبّه الله وأضاء قلبه بنور المعرفة والهداية وكان فرعاً طيباً نضيراً من الشجرة الطيبة التي أكرمها الله وبارك فيها لأمّة محمّد’ حيث يقول سبحانه وتعالى: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
يقول اليسع بن حمزة: >كنت في مجلس أبي الحسن الرضا عليه السلام أحدثه وقد اجتمع إليه خلق كثير يسألونه عن الحلال والحرام إذ دخل عليه رجل طوال آدم فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله رجل من محبيّك ومحبّي آبائك وأجدادك^ مصدري من الحج، وقد افتقدت نفقتي وما معي ما أبلغ مرحلة فإن رأيت أن تنهضني إلى بلدي ولله علي نعمة فإذا بلغت بلدي تصدّقت بالذي توليني عنك فلست موضع صدقة.
فقال له: أجلس رحمك الله وأقبل على الناس يحدّثهم حتّى تفرّقوا وبقي هو وسليمان الجعفري وخيثمة وأنا فقال: أتأذنون لي في الدخول؟ فقال له سليمان: قدّم الله أمرك، فقام فدخل الحجرة وبقي ساعة ثم خرج ورد الباب وأخرج يده من أعلى الباب وقال: أين الخراساني؟ فقال: ها أنا ذا، فقال: خذ هذه المائتي دينار واستعن بها في مؤونتك ونفقتك وتبرّك بها ولا تصدّق بها عنّي واخرج فلا أراك ولا تراني، ثم خرج.
فقال له سليمان: جعلت فداك لقد أجزلت ورحمت فلماذا سترت وجهك عنه؟ فقال: مخافة أن أرى ذلّ السؤال في وجهه لقضائي حاجته أما سمعت حديث رسول الله’: >المستتر بالحسنة يعدل سبعين حجّة، والمذيع بالسيئة مخذول، والمستتر بها مغفور له<.
كان علي بن يقطين أحد أتباع وتلامذة الإمام الكاظم عليه السلام وقد استطاع بكفاءته أن يصل إلى منصب الوزير الأوّل في حكومة العبّاسيين فراح يعمل جاهداً على مساعدة الكثير من أتباع أهل البيت بقضاء حاجاتهم وتيسير أمورهم أو بالزاد والنفقة من ماله الخاص.
لقد ساء حال الحكم العباسي في خلافة المأمون حيث واجهه أخطار كبيرة بسبب الثورات العلوية، وقد اضطرّ المأمون أن يفكّر في تدابير وإجراءات تساعده على الاحتفاظ بمكانته وعلى سلطانه الذي هو أعزّ ما بالوجود عنده وبما أنّه يخشى أن يخوض نزاعاً مسلحاً مع الثوار العلويين فقد عمد إلى أسلوب الدبلوماسية سواء مع الإمام أو مع الثورة الشعبية فأعلن البراءة من معاوية بن أبي سفيان وممن يذكره بخير(8)، معترفا بذلك أنّ الخلافة من بعد الرسول الكريم هي لعلي بن أبي طالب والأئمة من بعده وراح يخدع الناس ويمالئهم برغم مرارة هذا الدواء الذي هو مكره على شربه.
إنّه لم يهادن ولم يعترف بأحقية الإمام علي عليه السلام والأئمة من بعده عن قناعة وعن رضا ولكن كان ذلك لأنّه أحسّ بلسع لهيب نار الثورة الشعبية وهي تقترب من عرشه يوماً بعد يوم فعمد إلى إعطاء ولاية العهد للإمام الرضا عليه السلام وأمر الناس بالبيعة له من بعده مع أنّ الإمام عليه السلام ليس من أهله وذوي قرباه بل من أسرة رسول الله’ وهي الأعظم شأناً والأقوى خطراً عليه معترفاً للإمام بالإمارة على بني هاشم طرّاً عباسييهم وطالبييهم وكتب له الوثيقة التي أعلنها للناس وفيما يلي بعض من نصّ هذه الوثيقة: >وأمّا ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسى عليه السلام بعد استحقاق منه لها في نفسه، واختيار منّي له، فما كان ذلك منّي إلّا أن أكون الحاقن لدمائكم، والذائد عنكم باستدامة المودّة بيننا وبينهم، وهي الطريق أسلكها في إكرام آل أبي طالب ومواساتهم في الفيء يسير ما يصيبهم منه<(9).
>حتّى قضى الله بالأمر إلينا فأخفناهم، وضيّقنا عليهم وقتلناهم أكثر من قتل بني أُميّة إيّاهم، ويحكم إنّ بني أميّة إنّما قتلوا منهم من سلّ سيفاً وإنّا معشر بني العباس قتلناهم جملاً فلتسألنّ أعظم الهاشمية بأيّ ذنب قتلت، ولتسألنّ نفوس ألقيت في دجلة والفرات، نفوس دفنت ببغداد والكوفة أحياء. وهيهات إنّه ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ (10).
سبب نقل مركز الخلافة إلى خراسان ذلك لأنّ يد المأمون كانت فارغة من بني أبيه ومن قوة البرامكة ومن العرب فلم يبقى له معين وأراد بنقلها إلى خراسان أن يوحي للناس أنّه يحبّ أهل البيت ومن يحبّونه، ويكره أعداء أهل البيت، ثم قدّم الدليل على إدعائه وتظاهره هذا أن أعطى ولاية العهد للإمام الرضا عليه السلام بعد أن استحضره من المدينة وأرغمه على القبول والرضوخ لهذا الأمر(11)، محاولاً تهدئة الأوضاع منتظراً مجيء الوقت المناسب لكي يكيد له ويغدر به بعد أن استنفذ شتى الأساليب والحيل عمد إلى دسّ السمّ له عن طريق زبانيته اللئام(12).
قال ابن السماك في الفقيد الكبير هذين البيتين بعد أن ألحدوه قبره:
مات الإمام المرتضى مسموماً وطوى الزمان فضائلاً وعلوماً
قد مات في الزوراء مظلوماً كما أضحى أبوه بكربلاء مظلوماً(13)
وقال ابو فراس الحمداني شاعر زمانه:
يا جاهداً في مساويهم يكتِّمُها غَدْرُ الرشيد بحيي كيف ينكتمُ
ليس الرشيد كموسى في القياس ولا مأمونُكم كالرضا إن أنصف الحكمُ
ذاق الزبير ي غِبَّ الحنثِ وانكشفتعن ابن فاطمة الأقوال والتهمُ باؤوا بقتل الرضا من بعد بيعتهوابصروا بعض يوم رشدهم وعموا يا عُصْبةً شقيت من بعدما سعدتومعشراً هلكوا من بعد ما سلموا لبئسما لقيت منهم وإن بليتبجانب الطفّ تلك الأعظم الرممُ


_____________
1- روضة الواعظين: 235.
2- عيون أخبار الرضا 1: 24، حديث2.
3- المصدر السابق: 25.
4- الكافي 1: 312، حديث7.
5- الإرشاد 2: 247.
6- عيون أخبار الرضا 2: 158 - 159، حديث19.
7- الأمالي للصدوق: 758.
8- تاريخ الطبري 7: 187.
9- بحار الأنوار 49: 213، حديث3.
10- الزلزلة 99: 7 - 8.
11- عيون أخبار الرضا× 2: 150، حديث2.
12- الإرشاد 2: 270.
13- حياة الإمام الرضا 2: 278 - 279.