تمهيد
يُعتبر منهج التفسير الروائي من أقدم المناهج التفسيريّة وأكثرها شيوعاً. وهو أحد أقسام "التفسير بالمأثور" أو "التفسير النقلي". وللتفسير الروائي مكانة خاصّة بين المناهج التفسيريّة، وكان دائماً محطّ اهتمام المفسِّرين.
وقد اتّخذ في بعض الأحيان اتجاهاً متطرِّفاً حيث إنّ بعض المفسِّرين لم يرتضِ إلّا هذا المنهج في التفسير ورفض بقيّة المناهج. وفي الواقع إنّ هناك اتجاهات مُخالفة لهذه الطريقة المتطرِّفة ومُعتدلة في استخدام هذا المنهج.
وسوف نقوم هنا ببحث بعض الأمور المتعلِّقة بهذا المنهج وهي:
معنى التفسير الروائي
الرواية في الأصل تعني "النقل والحمل"، ورواية الحديث بمعنى نقل وتحمّل الحديث. وقد قسّم العلماء التفسير بالمأثور (التفسير النقلي) إلى أربعة أقسام:1- تفسير القرآن بالقرآن.
2- تفسير القرآن بالسُنّة.
3- تفسير القرآن بأقوال الصحابة.
4- تفسير القرآن بأقوال التابعين1.
ولكنّ المقصود من التفسير الروائي هو تفسير القرآن بالسُنّة والّتي تعني "قول وفعل وتقرير" المعصوم (النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام )، أي إنّه قد يصدر عن المعصوم كلامٌ في تفسير آية، وقد يقوم بعمل (كالصلاة) يكون تفسيراً للآيات المتعلّقة بالصلاة، وقد يكون تقريراً من المعصوم وذلك فيما إذا صدر عن شخص كلام أو عمل عملاً طبقاً لبعض الآيات في حضور الإمام وأقرّه على ذلك، أي إنّ المعصوم يؤيّد هذا الكلام أو الفعل بسكوته عن ذلك الفعل أو القول.
والحاصل: إنّ المقصود من منهج التفسير الروائي هنا هو استفادة المفسِّر من سُنَّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام ، والّتي تشمل قولهم وفعلهم وتقريرهم، لتوضيح معاني آيات القرآن ومقاصدها، وهذا المنهج يحقّق نتائج وآثاراً خاصّة أيضاً.
ملاحظة: رغم أنّه يمكن الاستفادة من روايات الصحابة والتابعين في تفسير القرآن في موارد خاصّة، وأنّ الكثير من أقوالهم في التفسير يُعتبر نافعاً ومفيداً ولكن هناك اختلاف بين علماء المسلمين في حجيّة سننهم ومساحة اعتبار رواياتهم.
الأدوار التاريخية للمنهج الروائي
يمكن تقسيم الأدوار التاريخية للتفسير الروائي إلى أربعة أدوار:
1- عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم
نشأ التفسير الروائي مُقارناً للوحي: لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو أوّل مُفسِّر ومُبيِّن للقرآن، وقد جاء الأمر الإلهي بهذا الخصوص في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾2. الحقّ أنّ سنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبيانهُ يرجع في جذوره إلى الوحي أيضاً، كما روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا وإنّي أُوتيت القرآن ومثله معه"3. فقد كان الصحابة يرجعون إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير القرآن ويأخذون منه معانيه. روي عن ابن مسعود أنّه قال: "كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات لم يجاوزهُنَّ حتّى يعرف معانيهنَّ والعمل بهنّ"4.
وقد يكون عمله صلى الله عليه وآله وسلم تفسيراً للقرآن، كما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال بشأن الصلاة: "صلّوا كما رأيتموني أُصلي"5 ، وروي عنه أنّه قال "خذوا عنّي مناسككم"6. وفي هذه الصورة تكون أفعال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تفسيراً لجزئيات الصلاة والحج.
روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "إنّ الله أنزل على رسوله الصلاة، ولم يُسَمِّ لهم ثلاثاً ولا أربعاً، حتّى كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الّذي فسَّر لهم ذلك"7. نعم لقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المسائل الّتي ذُكرت بصورة كليَّة في القرآن الكريم مثل (الصلاة، الصوم، الحج و..)، وكذلك وضّح موارد تخصيص العمومات
وتقييد المطلقات، وبيَّن الاصطلاحات الجديدة في القرآن، والناسخ والمنسوخ. وجميع هذه الأمور كانت تفسيراً للقرآن وصلتنا بواسطة الروايات والسُنَّة ولا تزال موجودة كمصادر للتفسير الروائي.
2- عصر أهل البيت عليهم السلام
استمرّت طريقة التفسير الروائي إلى عصر الأئمّة عليهم السلام. وكان الإمام عليّ عليه السلام تلميذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في التفسير يسمع ما يقوله النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في تبيين آيات القرآن ويقوم بنقله وروايته، وقد اتّبع أهل البيت عليهم السلام هذا المنهج أيضاً، فكانوا ينقلون الأحاديث للناس عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والإمام عليه السلام ويستدّلون بها، وقد وصل عدد الروايات المرويّة عنهم عليهم السلام إلى بضعة آلاف وقد تصدّى أهل البيت عليهم السلام لتفسير القرآن لاطلاعهم على العلوم الإلهيّة؛ ولذا اعتُبرت سنّتهم (قولهم وفعلهم وتقريرهم) من مصادر التفسير وجزءاً من التفسير الروائي؛ وفي هذا الإطار سأل رجل الإمام الرضا عليه السلام فقال: إنّك لتفسِّر من كتاب الله ما لم يُسمع. فقال: "علينا نزل قبل الناس ولنا فُسِّر قبل أن يُفسَّر في الناس، فنحن نعرف حلاله وناسخه ومنسوخه و.."8 وقال في حديث آخر: "فإنّما على الناس أن يقرؤا القرآن كما أُنزل، فإذا احتاجوا إلى تفسيره فالاهتداء بنا وإلينا"9.
وعلى هذا، قام أهل البيت عليهم السلام بتبيين مسائل متنوّعة في مجال الأمور الكليَّة الّتي وردت في القرآن وآيات الأحكام، المخصِّصات، المقيِّدات، الناسخ والمنسوخ، وكذلك تبيين باطن الآيات وتأويلها ومصاديقها.
3- عصر الصحابة والتابعين
حظيت الروايات التفسيريَّة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام باهتمام الصحابة والتابعين، حتّى أنّ بعض الصحابة الكبار أمثال ابن عباس وابن مسعود كانوا لا يروْن أنفسهم مستغنين عن الإمام عليّ عليه السلام ، والاستفادة من علمه. وإنَّ كثيراً من أحاديث التفسير لابن عباس تلقّاها عن الإمام عليّ عليه السلام.
وفي الحقيقة إنّ الصحابة والتابعين قاموا بتفسير القرآن أيضاً، وقد وصلتنا روايات كثيرة عن ابن عباس وغيره.
يُذكر أنّ الروايات التفسيريَّة في هذه الفترة جُمعت بصورة تدريجيَّة باسم "كتب التفسير الروائي".
4- عصر جمع وتأليف الروايات التفسيريَّة
أوّل تدوين في هذه المجموعة عند الشيعة هو الكتاب المنسوب إلى الإمام عليّ عليه السلام ، والّذي ورد على شكل رواية مفصّلة في بداية تفسير النعماني10.
وهناك كتاب آخر، هو مصحف عليّ بن أبي طالب، الّذي جاء فيه تأويل القرآن والتفسير وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وهو مرتّب على حسب النزول، وإن كان هذا الكتاب ليس في متناول أيدينا الآن11.
ثمّ التفسير المنسوب إلى الإمام الباقر عليه السلام (57 114هـ) المعروف بتفسير عليّ بن إبراهيم القمّي المنقول عن طريق أبي حمزة الثمالي وأبي الجارود، والتفسير المنسوب إلى الإمام الصادق عليه السلام (83 148هـ)، وتفسير فرات
الكوفي (كان حيّاً في سنة 307هـ)، والتفسير المنسوب للإمام العسكري عليه السلام (232 260هـ).
وقد جمعت الروايات الفقهيّة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام في مجاميع روائية مثل: الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار؛ كما دُوِّن في هذا الوقت تفسير جامع البيان في تفسير القرآن لابن جرير الطبري (ت 320هـ)، وكذلك الصحاح الستّة لأهل السنّة.
ثمّ واجهت حركة تدوين التفاسير ركوداً نسبيّاً من القرن الخامس إلى التاسع الهجري؛ فيما برزت التفاسير العقليّة والاجتهاديّة.
وفي عصر كتابة التفاسير الجديدة، برز الاهتمام بالروايات التفسيريّة والّتي عادة ما تُبحث خلال التفسير أو بصورة منفصلة؛ كما فعل العلّامة الطباطبائي حيث يذكر البحث الروائي بعد كلّ مجموعة من الآيات.
ملاحظة: لم تسلم الروايات التفسيريّة في عصر التدوين والجمع من ظاهرة الوضع، ووجود الإسرائيليات وتسلّل بعض الروايات الضعيفة؛ وهذا ما يستوجب الحذر والدقَّة عند الاستفادة من بعض الكتب الروائيّة.
مكانة الروايات في التفسير
يمكن تقسيم آراء العلماء حول مكانة وحدود الاستفادة من الروايات في التفسير إلى ثلاثة آراء:
1- استقلال القرآن وعدم احتياجه إلى الأحاديث في التفسير:
ومنشأ هذا الرأي هو أنّ القرآن نزل بلسانٍ عربي مبين، وأنّ العقل يكفي لفهم القرآن ولا يحتاج إلى الأحاديث لتفسيره.
وهذا الرأي يتعارض مع ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾12 ، وكذا حديث الثقلين، ويمكن أن يقال بأنّ الجذور التأريخية لهذا الرأي ترجع إلى شعار "حسبنا كتاب الله"، الّذي رُفع في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والّذي أصرّ على فصل القرآن عن أهل البيت عليهم السلام.
2- عدم جواز تفسير القرآن إلّا بالروايات:
وهو الرأي المتطرِّف المنسوب إلى الأخباريين، وقد ناقشناه في مبحث تفسير القرآن بالقرآن.
3- اتخاذ الروايات وسيلة وقرينة لتفسير آيات القرآن:
وهو الرأي المعتدل والمختار، والّذي يعتبر الروايات الشريفة قرائن لتفسير القرآن، وأدوات لتوضيح معاني ومقاصد الآيات، ولها استخدامات متنوّعة في التفسير، كما هو الحال بالنسبة إلى القرائن العقلية وآيات القرآن. فأحاديث أهل البيت عليهم السلام لا يمكن أن تفترق عن القرآن لأنّه الأصل والروايات هي الفرع لذلك الأصل.
وفي الختام يُمكن أن يُقال إنّ سنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام تعتبر مصدراً لتفسير القرآن من جهة، ومن جهةٍ أخرى تكون قرينة ووسيلة للتفسير ولا يوجد تنافي بين الإثنين.
خلاصة الدرس
ـ المقصود من الرواية في "منهج التفسير الروائي" هو السُنّة نفسها قول وفعل وتقرير المعصوم عليه السلام وتشمل سنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام.
ـ بدأ التفسير الروائي في عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واستمرّ إلى زمن أهل البيت عليهم السلام والصحابة، الّذين نقلوا الروايات التفسيريّة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الكثير من أقوالهم، ثمّ جمعت في مجاميع تفسيريّة.
ـ هناك ثلاثة آراء رئيسة بالنسبة إلى مكانة الأحاديث في تفسير القرآن:
1- استقلال القرآن وعدم حاجته إلى الأحاديث.
2- عدم جواز تفسير القرآن إلّا بالأحاديث.
3- استخدام الروايات كوسيلة وقرينة في التفسير.
ولكلٍّ من هذه الآراء أدلّة خاصّة تعرّضنا لها بشكلٍ إجمالي.

هوامش

1- أنظر: التفسير والمفسّرون، الشيخ محمّد هادي معرفة، ج 2، ص 21.
2- سورة النحل، الآية: 44.
3- الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي، ج 4، ص 174.
4- جامع البيان في تفسير القرآن، محمّد بن جرير الطبري، ج 1، ص 27- 28، دار المعرفة، بيروت، 1406هـ.
5- بحار الأنوار، العلّامة المجلسيّ، ج 85، ص 279.
6- الخلاف، الشيخ الطوسي، ج 2، ص 323.
7- الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، ص 286.
8- تفسير نور الثقلين، عبد علي بن جمعة الحويزي، ج 4، ص 595، ح 19، المطبعة العلمية، قم، ط 2ـ 1383هـ.
9- بحار الأنوار، العلّامة المجلسيّ، ج 27، ص 197.
10- قد تُذكر هذه الرسالة بعنوان رسالة المحكم والمتشابه، وتُنسب إلى السيّد المرتضى، وقد رويت في بحار الأنوار (المجلّدات المختصّة بالقرآن).
11- نظر: بحار الأنوار، العلّامة المجلسيّ، ج 89، ص 40.
12- سورة النحل، الآية: 44.