15 ـ أبو عبيد و كتاب « الأموال »
أبو عبيد قاسم بن سلاّم ( المتوفّى عام 224 ) أحد الفقهاء الكبار في القرن الثالث ، و قد اشتهر بكتابه النفيس « الأموال » الذي طبع غير مرة . فقد أزاح الستار عن وجه الحقيقة ، و أشار إلى ما جرى على بيت فاطمة من المصائب . فقد نقل عن عبد الرحمن بن عوف قوله :
دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي توفّـي فيه فسلمت عليه ، و قلت : ما أرى بك بأساً ، و الحمد للّه ، و لا تأس على الدنيا ، فو اللّه إن علمناك إلاّ كنت صالحاً مصلحاً .
فقال : إنّي لا آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتهم ، و وددت أنّي لم أفعلهم ، و ثلاث لم أفعلهم وددت انّي فعلتهم ، و ثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ـ عنهم ، فأمّا التي فعلتها و وددت انّي لم أفعلها ، فوددت أنّي لم أكن فعلت كذا و كذا . لخلة ذكرها قال أبو عبيد : لا أريد ذكرها ـ و وددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين عمر أو أبـي عبيدة ، فكان أمـيراً و كنـت وزيـراً ، و وددت انّـي حيـث كنـت وجهت خالـداً إلـى أهـل الردة أقمت بـذي القصـة ، فإن ظفر المسلمون ظفروا و إلاّكنت بصدد لقاء أو مـدد . الخ 1 .
ثمّ إنّ صاحب « الأموال » و إن لم يصرح بلفظ الخليفة و كره التلفّظ به ، لكن غيره جاء بنفس النص الذي أدلى به الخليفة يوم كان طريح الفراش و ستقف على كلام الآخرين في هذا المجال .
16 ـ ابن سعد و « الطبقات الكبرى »
يذكر محمد بن سعد ( المتوفّى عام 229 هـ ) عند ترجمة أبي بكر ما هذا نصّه :
قال : أخبرنا عبد اللّه بن الزبير ، حدّثنا إسماعيل بن عامر ، قال : جاء أبو بكر إلى فاطمة حين مرضت فاستأذن ، فقال علي : هذا أبو بكر على الباب ، فإن شئت أن تأذني له ؟ قالت : و ذلك أحب إليك ؟ قال : نعم ، فدخل عليها و اعتذر إليها و كلّمها فرضيت عنه 2 .
فلو لا أنّه تعدى على حقوقها و ظلمتها ، فلماذا اعتذر .
17 ـ النظام و « الوافي بالوفيات »
ألّف صلاح الدين خليل بن إيبك الصفدي كتاباً أسماه « الوافي بالوفيات » ، استدرك على كتاب « وفيات الأعيان » لابن خلكان ، و قد ترجم فيه النظام المعتزلي إبراهيم بن سيار البصري ( 160 ـ 231 هـ ) .
و قال : قالت المعتزلة إنّما لقب ذلك ( النظام ) لحسن كلامه نظماً و نثراً ، و كان ابن أُخت أبي هذيل العلاف شيخ المعتزلة ، و كان شديد الذكاء ، و نقل آراءه ، فقال :
انّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت المحسن في بطنها 3 .
18 ـ المبرد و « الكامل »
محمد بن يزيد بن عبد الأكبر البغدادي ( 110 ـ 285 هـ ) أحد الأُدباء الكتّاب ، و صاحب الآثار الممتعة ، و قد نقل في كتاب « الكامل » ما روي عن عبد الرحمن بن عوف عند ما زار أبا بكر في مرضه الذي مات فيه ، و قال :
دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي مات فيه فسلمت و سألته : كيف به ؟ فاستوى جالساً ، إلى أن قال : قال أبو بكر : أمّا إنّي لا آسى إلاّ على ثلاث فعلتهنّ و وددت انّي لم أفعلهنّ ، و ثلاث لم أفعلهنّ و وددت انّي فعلتهن ، و ثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه عنهم .
فأمّا الثلاث التي فعلتها و وددت انّي لم أكن كشفت عن بيت فاطمة و تركته و لو أُغلَق على حرب ، و وددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين : عمر أو أبي عبيدة ، فكان أميراً و كنت وزيراً ، و وددت انّي إذا أتيت بالفجاءة لم أكن أحرقته و كنت قتلته بالحديد أو أطلقته . و أمّاالثلاث التي تركتها و وددت انّي فعلتها . . . .الخ 4 .
19 ـ المسعودي و « مروج الذهب »
إنّ أبا الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي ( المتوفّى عام 346 هـ ) ، أحد المؤرخين البارعين الذين كان لهم دور هام في تدوين تاريخ الإسلام ، و قد ذكر في تاريخه المعروف بـ « مروج الذهب » عند ذكر أبي بكر و نسبه و لمع من أخباره و سيره ، قال :
و من كلامه انّه لما احتضر ، قال : ما آسى على شيء إلاّعلى ثلاث فعلتها وَدِدْتُ انّي تركتها ، و ثلاث تركتها وَدِدْتُ انّي فعلتها ، و ثلاث وَدِدْت انّي سألت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ـ عنها ، فأمّا الثلاث التي فعلتها و وددت انّي تركتها ، فوددت انّي لم أكن فتشت بيت فاطمة ـ و ذكر في ذلك كلاماً كثيراً ـ و وددت انّي لم أكن حرقت الفجاءة و أطلقته نجيحاً أو قتلته صريحاً ، و وددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين فكان أميراً و كنت وزيراً ، و الثلاث التي تركتها و ودت انّي فعلتها . . . الخ 5 .
20 ـ ابن أبي دارم و« ميزان الاعتدال »
أحمد بن محمد المعروف بابن أبي دارم ، المحدث الكوفي ( المتوفّى عام 357 هـ ) الذي يعرفه الذهبي ، بقوله : كان موصوفاً بالحفظ و المعرفة 6 . و ينقل عنه الحاكم .
و يقول أيضاً في كتابه « ميزان الاعتدال » : كان مستقيم الأمر عامة دهره ، ثمّ في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب و حضرته و رجل يقرأ عليه :
انّ عمر رفص فاطمة حتى أسقطت بمحسن 7 .
21 ـ الطبراني و « المعجم الكبير »
أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني ( 260 ـ 360 هـ ) صاحب « المعجم الكبير » يعرفه الذهبي في ميزانه ، و يقول : حافظ ، ثبت 8 .
فقد نقل في فصل أسماه « مما اسند أبو بكر عن رسول اللّه » فجاء في ذلك الفصل حديث عبد الرحمن بن عوف أبا بكر في مرضه الذي توفّي فيه ، فقال أبو بكر له :
أمّا انّي لا آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتهن و وَدِدْتُ انّي لم أفعلهن ، و ثلاث لم أفعلهن وددت انّي فعلتهن ،و ثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ـ عنها ، فأمّا الثلاث اللاتي وددت انّي لم أفعلهن ، فوددت انّي لم أكن كشفت بيت فاطمة و تركته و ان أُغلق على الحرب ، و وددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر ، فكان أميراً و كنت وزيراً . . .الخ 9 .
22 ـ ابن عبد ربه و « العقد الفريد »
قد تقدّم كلام ابن عبد ربه عند ذكر الحوار الذي دار بين فاطمة و عمر بن الخطاب من دون أن يشير هناك إلى الحوادث المريرة التي وقعت بعده و لكنّه صرح في مورد آخر بكشف الدار حيث نقل حديث عبد الرحمن بن عوف عند ما زار أبا بكر في مرضه ، فقال : و قال تحت عنوان استخلاف أبي بكر لعمر :
أجل انّي لا آسي على شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهن ، و وددت اني تركتهن ، و ثلاث تركتهن و وددت انّي فعلتهن ، و ثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ـ عنهن .
فأمّا الثلاث التي فعلتهن و وددت انّي تركتهن ، فوددت انّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء و إن كانوا أغلقوه على الحرب ، . . .الخ 10 .
23 . ابن عساكر و « مختصر تاريخ دمشق »
ألف علي بن حسن المعروف بابن عساكر ( المتوفّى عام 571 هـ ) كتاباً في تاريخ دمشق طبع في ثمانين جزءاً و قد لخصه محمد بن مكرم المعروف بابن منظور ( 620 ـ 711 هـ ) فجاء في ترجمة أبي بكر انّه دخل على أبي بكر في مرضه الذي توفّـي فيه ، فأصابه مفيقاً إلى أن قال :
فقال أبو بكر : لا آسى على شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهن و وددت أنّي لو تركتهن ، و ثلاث تركتهن و وددت انّي فعلتهن ، و ثلاث وددت لو أنّي سألت عنهن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ـ . فأمّا التي وددت انّي تركتهن : يوم سقيفة بني ساعدة وددت لو أنّي ألقيت هذا الأمر في عنق أحد هذين الرجلين ـ يعني عمر و أبا عبيدة ـ فكان أحدهما أميراً ، و كنت وزيراً ، وددت انّي لم أكن كشفت بيت فاطمة عن شيء مع أنّهم أغلقوه على الحرب 11 .
24 . ابن أبي الحديد و « شرح نهج البلاغة »
عبد الحميد بن هبة اللّه المدائني المعتزلي ( المتوفّى عام 655 هـ ) المؤرخ و الكاتب القدير مؤلف « شرح نهج البلاغة » في عشرين جزءاً ، فيها تاريخ و أدب ، و كلام و فلسفة ، يعرب عن تضلّعه في العلوم الإسلامية عامة ، فقد نقل عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري مؤلف كتاب « السقيفة » 12 بلا غمز وردّ .
فذكر قوله : إنّي لا آسى إلاّ على ثلاث فعلتهن و وددت انّي لم أفعلهنّ ، و ثلاث لم أفعلن و وددت انّي فعلتهن ، و ثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ـ عنهنّ ; فأمّا الثلاث التي فعلتها و وددت انّي لم أكن فعلتها ، فوددت انّي لم أكن كشفت عن بيت فاطمة و تركته و لو أُغلق على حرب 13 .
و قال في مكان آخر نقلاً عن القاضي عبد الجبار :
و أمّا حديث الإحراق فلو صحّ لم يكن طعناً على عمر لأنّ له أن يهدد من امتنع عن المبايعة إرادة للخلافة على المسلمين 14 .
25 ـ الجويني و « فرائد السمطين »
إبراهيم بن محمد الحديد المعروف بالجويني ( المتوفّـى عام 722 هـ ) من مشايخ الذهبي ، يقول في حقه : إمام ، محدث ، فريد ، فخر الإسلام و صدر الدين 15 .
فقد روى في كتاب فرائد السمطين بالسند المذكور فيه عن ابن عباس ، انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ـ كان جالساً ذات يوم إذ أقبل الحسن ـ عليه السَّلام ـ ، فلما رآه بكى ، ثمّ قال : إليَّ إليَّ يا بُنيّ فمازال يُدنيه حتى أجلسه على فخذه اليمنى . ثمّ أقبل الحسين ـ عليه السَّلام ـ فلمّا رآه بكى ، ثمّ قال : إليَّ إليَّ يا بُنيّ ، فمازال يُدنيه حتّى أجلسه على فخذه اليُسرى . ثمّ أقبلت فاطمة عليها السَّلام ، فلمّا رآها بكى ، ثمّ قال : إليَّ إليَّ يا بُنيّة فاطمة ، فاجلسها بين يديه . ثمّ أقبل أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ ، فلمّا رآه بكى ، ثمّ قال : إليّ إليّ يا أخي ، فمازال يدنيه حتى أجلسه إلى جنبه الأيمن .
فقال له أصحابه يا رسول اللّه! ما ترى واحداً من هؤلاء إلاّ بكيت ! أو ما فيهم من تسرّ برؤيته ؟ فقال ـ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ـ : والذي بعثني بالنبوة ، و اصطفاني على جميع البرية ، إنّي و إيّاهم لأكرم الخلائق على اللّه عزّوجلّ و ما على وجه الأرض نسمة أحبَّ إليَّ منهم .
إلى أن قال : و أمّا ابنتي فاطمة فانّها سيدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين ، و هي بضعة منّي و هي نور عيني ، و هي ثمرة فؤادي ، و هي روحي التي بين جنبيّ ، و هي الحوراء الانسية ، متى قامت في محرابها بين يدي ربها جلّ جلاله ، زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض .
و يقول اللّه عزّ وجلّ لملائكته : يا ملائكتي ، انظروا إلى أمتي فاطمة سيدة إمائي قائمة بين يدي ، ترعد فرائضها من خيفتي و قد أقبلت بقلبها على عبادتي ، أُشهدكم انّي قد أمّنت شيعتهامن النار . و انّي لما رأيتها ذكرتُ ما يُصنع بها بعدي كأنّي بها و « قد دخل الذُّل بيتها و انتهكت حرمتها و غصب حقّها ، و منعت إرثها ، وكُسر جنبها ، و أسقطت جنينها ، و هي تنادي يا محمداه فلا تجاب ، و تستغيث فلا تغاث 16 .
26 ـ الذهبي و « تاريخ الإسلام »
يقول شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ( المتوفّى 748 هـ ) في كتاب تاريخ الإسلام :
روى علوان بن داود البجلي ، عن حميد بن عبدالرحمن عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه ، و قد رواه الليث بن سعد عن علوان عن صالح نفسه ، قال : دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه فسلمت عليه و سألته كيف أصبحت ؟
فقـال : بحمد اللّه بارئاً ، إلـى أن قال : ثمّ قال : انّي لا آسى على شـيء إلاّعلى ثـلاث فعلتهن و ثـلاث لم أفعلهن ، و ثلاث وددت أنّـي سألت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ـ عنهن : وددت انّي لم أكن كشفت بيت فاطمة و تركته و أن أُغلق عليّ الحرب ، وددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق عمر أو أبي عبيدة 17 .
27 ـ نور الدين الهيثمي و « مجمع الزوائد »
أخرج الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي ( المتوفّى سنة 807 هـ ) في كتابه مجمع الزوائد و ضبع الفوائد في باب كراهة الولاية و لمن تستحب .
روى و قال : فعن عبد الرحمن بن عوف ، قال : دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي توفي فيه و سلمت عليه و سألته كيف أصبحت ؟ فاستوى جالساً و قال : أصبحت بحمد اللّه بارئاً ـ إلى أن قال : ـ أمّا انّي لا آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتهن وددت انّي لم أفعلهن ، و ثلاث لم أفعلهن وددت انّ فعلتهن ، و ثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ـ عنهن .
فأمّا الثلاث التي وددت انّي لم أفعلهنّ فوددت انّي لم أكن كشفت بيت فاطمة و تركته و ان اغلق على الحرب ، وددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة قذفت الأمر في عنق الرجلين أبو عبيدة أو عمر و كان أمير المؤمنين و كنت وزيراً 18 .
28 ـ ابن حجر العسقلاني و لسان الميزان
أخرج الإمام الحافظ شهاب الدين أبو الفضل المعروف بالعسقلاني ( المتوفّى سنة 852هـ ) في كتابه لسان الميزان بسنده عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه ، قال :
دخلت على أبي بكر أعوده فاستوى جالساً فقلت : أصبحت بحمد اللّه بارئاً ، فقال أبو بكر : أمّا إنّي على ماترى بي . . . انّي لا آسى على شيء إلاّ على ثلاث وددت انّي لم أفعلهن وددت انّي لم أكشف بيت فاطمة و تركته و إن أُغلق على الحرب ، وددت انّي يوم السقيفة كنت قذفت الأمر في عنق أبي عبيدة أو عمر فكان أميراً و كنت وزيراً 19 .
29 ـ المتقي الهندي و « كنز العمال »
روى علاء الدين المتقي الهندي( المتوفّى عام 975هـ ) في كنز العمال حديث عبد الرحمن بن عوف بنحو مفصل ، و قال :
عن عبد الرحمن بن عوف انّ أبا بكر الصديق ، قال له في مرض موته : إنّي لا آسى على شيء إلاّعلى ثلاث فعلتهن و وِددت انّي لم أفعلهن وثلاث لم أفعلهن ودِدت انّي فعلتهن ، و ثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه عنهن ، فأمّا اللاتي فعلتها ووددت انّي لم أفعلها فوددت انّي لم أكن أكشف بيت فاطمة و تركته وإن كانوا قد غلقوه على الحرب . . . 20 .
30 ـ عبد الفتاح عبد المقصود و كتاب « الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ »
إنّ عبد الفتاح مؤلف كتاب « الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ » أحد الكتّاب البارعين في العصر الحاضر ، فقد جدّ و ثابر و بذل جهوداً جبارة و أخذ زبدة المخض من الحقائق الناصعة و قدم بكتابه هذا خدمة مشكورة و قال في حادثة الدار :
إنّ عمر قال : و الذي نفسي بيده ، ليخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها .
قالت له طائفة ـ خافت اللّه ، ورعت الرسول في عقبه ـ : يا أبا حفص انّ فيها فاطمة . . . .
فصاح لا يبالي : و إن .
و اقترب و قرع الباب ، ثمّ ضربه و اقتحمه . . .و بدا له عليّ .
و رنّ حينئذاك صوت الزهراء عند مدخل الدار .
فان هي إلاّ رنة استغاثة أطلقتها « يا أبت رسول اللّه . . . » تستعدي بها الراقد بقربها في رضوان ربّه عليعسف صاحبه ، حتّى تبدّل العاتي المدل غير إهابه ، فتبدّد على الأثر جبروته ، و ذاب عنفه و عنفوانه ، و ودّ من خزى لو يخرّ صعقاً تبتلعه مواطئ قدميه ارتداد هدبه إليه .
و عندما نكص الجمع ، و راح يفرّ كنوافر الظباء المفزوعة أمام صيحة الزهراء ، كان عليّ يقلّب عينيه من حسرة و قد غاض حلمه ، و ثقل همّه ، و تقبضت أصابع يمينه على مقبض سيفه كهمّ من غيظه أن تغوص فيه 21 .
خاتمة المطاف
انّ ما ذكرناه من المصادر الجمّة يكفي في إثبات المقصود ولو أضفنا إليه ما ذكره مؤرّخو الشيعة و محدّثوهم حول حوادث السقيفة ، لأصبحت القضية من المتواترات بل الضروريات التي لا يشكّ فيها من له إلمام بالتاريخ .
و قد كانت القضية في العصور الأُولى من الأُمور المسلمة حتى أنّ بعض من تلطّخت أيديهم بدماء المسلمين أخذوا يبرّرون ما يقترفونه بعمل الخليفة ، و إليك هاتين الوثيقتين التاريختين .
الوثيقة الأُولى
روى المسعودي « انّ ابن الزبير عمد إلى مكة من بني هاشم ، فحصرهم في الشعب ، و جمع لهم حطباً عظيماً لو وقعت فيه شرارة من نار لم يسلم من الموت أحد ، و في القوم محمد بن الحنفية .
ثمّ قال وحدّث النوفلي في كتابه في الاخبار ، عن ابن عائشة ، عن أبيه ، عن حماد بن سلمة ، قال : كان عروة بن الزبير يعذِّر أخاه إذا جرى ذكرُ بني هاشم و حصره إياهم في الشعب وجمعه لهم الحطب لتحريقهم ، ويقول : إنّما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته إذا هم أبوا البيعة فيما سلف ، و هذا خبر لا يحتمل ذكره هنا ، و قد أتينا على ذكره في كتابنا في مناقب أهل البيت و أخبارهم المترجم بكتاب « حدائق الأذهان » 22 .
و نقله ابن أبي الحديد أيضاً و قال : و كان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبد اللّه في حصر بني هاشم في الشعب ، و جمعه الحطب ليحرقهم و يقول : إنّما أراد بذلك ألا تنتشر الكلمة ، و لا يختلف المسلمون ، و أن يدخلوا في الطاعة ، فتكون الكلمة واحدة ، كما فعل عمر بن الخطاب ببني هاشم لمّا تأخروا عن بيعة أبي بكر ، فانّه أحضر الحطب ليحرق عليهم الدار 23 .
الوثيقة الثانية
و روى البلاذري قال : لما قتل الحسين ـ عليه السَّلام ـ كتب عبد اللّه بن عمر إلى يزيد بن معاوية :
أمّا بعد ، فقد عظمت الرزية وجلت المصيبة ، و حدث في الإسلام حدث عظيم ، و لا يوم كيوم قتل الحسين .
فكتب إليه يزيد : أمّا بعد ، يا أحمق ، فانا جئنا إلى بيوت مجدَّدة ، و فرش ممهدة ، و وسادة منضّدة ، فقاتلنا عنها فإن يكن الحقّ لنا فعن حقّنا قاتلنا . و إن كان الحقّ لغيرنا ، فأبوك أوّل من سنّ هذا ، واستأثر بالحقّ على أهله 24 .
قرائن و شواهد
إنّ هناك قرائن وشواهد تدل بوضوح على أنّ سيدة نساء العالمين استقبلت بعد رحيل أبيها حوادثَ مريرة من قبل من تسنّم منصة الخلافة ، ويدل على ذلك الأُمور التالية :
أ ـ انّ فاطمة هجرت أبا بكر ولم تكلمه إلى أن ماتت .
أخرج البخاري في كتاب الخمس « فغضبت فاطمة بنت رسول اللّه فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت » 25 .
و أخرج في كتاب الفرائض و قال : فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت 26 .
و ذكر في كتاب المغازي في باب غزوة خيبر قوله : فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت 27 .
فما ظنك بروايات يرويها الإمام البخاري ، و ما هذا إلاّ لأنّها انتهكت حرمتها حتى لاذت بقبر أبيها ، و قالت :
ماذا على من شمّ تربة أحمد * ألاّ يشم مدى الزمان غواليا
صُبَّت عليَّ مصـائب لو أنّها * صُبَّـت على الأيّام صرن ليالياً 28
ب ـ انّ عليّاً لما جهز فاطمة الزهراء و أودعها في قبرها ، هاج به الحزن ، و خاطب الرسول ـ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ـ ، و قال :
« ستنبّئك ابنتك بتضافر أُمّتك على هضمها ، فأحفها السؤال ، و استخبرها الحال ، هذا ولم يطل العهد ولم تخل منك الذكر » 29 .
كلّ ذلك يعرب عن أنّهاعليها السَّلام ماتت مظلومة ، مقهورة ، مغصوبة الحقّ .
ج ـ انّها دفنت ليلاً بإيصاء منها ، فما هو السرّ في هذا الإيصاء .
قال البلاذري بعد ذكره السند : انّ علياً دفن فاطمة عليها السَّلام ليلاً ، إلى أن قال : وأوصت فاطمة عليها السَّلام أن تحمل على سرير طاهر ، فقالت لها أسماء بنت عميس :
اصنع لك نعشاً كما رأيت أهل الحبشة يصنعون فأرسلت إلى جريد رطب فقطعته ، ثمّ جعلت لها نعشاً ، فتبسمت ولم تر متبسمة بعد وفاة النبي ـ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ـ إلاّساعتها تيك ، و غسلها عليّ ، و أسماء ، و بذلك أوصت ولم يعلم أبو بكر و عمر بموتها 30 .
***
و نختم الرسالة بالسلام على الصدّيقة الشهيدة الممنوعة إرثها ، المكسور ضلعها ، المظلوم بعلها ، المقتول ولدها سلاماً لا بداية له و لا نهاية .
و هي سلام اللّه عليها كما يصفها السيد الحميري :
انّها أسرع أهلي ميتة *** و لحاقاً بى ، فلا تكثر جـزع 31 .
1. الأموال : 193 ـ 194 ، مكتبة الكليات الأزهرية .
2. الطبقات : 8 / 27 ، طبعة دار صادر .
3. الوافي بالوفيات : 6 / 17 ; و الملل و النحل للشهرستاني : 1 / 57 طبع دار المعرفة ، و لاحظ في ترجمة النظام كتابنا « بحوث في الملل و النحل » : 3 / 248 ـ 255 .
4. شرح نهج البلاغة : 2 / 45 ـ 47 و لاحظ الكامل : 1 / 11 ، تحقيق الدكتور محمد أحمد الدّالي ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، و يظهر من محقّق الكتاب انّه وجد النص في الكامل حيث نقل شيئاً منه حول هذا النص . إلاّ انّ اليد الأمينة على التراث حرفت الباقي فلم تذكر الرواية برمتها حسب ما نقله ابن أبي الحديد عن الجوهري عن الكامل للمبرد .
نعم أشار المحقق في ذيل الصفحة إلى ما رواه صاحب العقد الفريد .
5. مروج الذهب : 2 / 301 ، طبعة دار الأندلس ، بيروت .
6. سير اعلام النبلاء : 15 / 578 ، رقم الترجمة 349 .
7. ميزان الاعتدال : 1 / 139 ، رقم الترجمة 552 .
8. ميزان الاعتدال : 2 / 195 ، رقم الترجمة 3423 .
9. المعجم الكبير : 1 / 62 ، برقم 43 .
10. العقد الفريد :4 / 93 ، تحت عنوان استخلاف أبي بكر لعمر .
11. مختصر تاريخ دمشق : 13 / 122 .
12. كتاب السقيفة لمؤلفه أحمد بن عبد العزيز ، أقدم و أبسط كتاب تناول حوادث السقيفة بالشرح و التفصيل ، ينقل عنه ابن أبي الحديد كثيراً في أجزاء مختلفة من كتابه فقد قام الفاضل محمد هادي الأميني بجمع نصوص الكتاب من شرح النهج لابن أبي الحديد و نشره و بذلك عاد الكتاب اإلى الساحة و لو بصورة ناقصة .
13. شرح نهج البلاغة : 2 / 46 ـ 47 .
14. شرح نهج البلاغة : 16 / 272 و قال المعلق : نقله المرتضى في الشافي : 234 ـ 235 .
15. معجم شيوخ الذهبي : 125 رقم الترجمة 156 .
16. فرائد السمطين : 2 / 34 ـ 35 ، طبعة بيروت .
17. تاريخ الإسلام : 3 / 117 ـ 118 .
18. مجمع الزوائد : 5 / 202 ـ 203 .
19. لسان الميزان : 4 / 188ـ 189 .
20. كنز العمال : 5 / 631 ، رقم الحديث 14113 .
21. عبد الفتاح عبد المقصود : الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ : 4 / 274 ـ 277 . و له كلمة أُخرى في هذا الموضوع لاحظ الجزء 1 / 192ـ 193 لم نأت بها روماً للاختصار .
22. مروج الذهب : 3 / 77 ، طبعة دار الأندلس .
23. شرح نهج البلاغة : 20 / 147 .
24. نهج الحق وكشف الصدق : 356 ، علق عليه فرج اللّه الحسيني ، مكتبة المدرسة . نقله عن الأنساب للبلاذري .
25. صحيح البخاري : 4 ، كتاب الخمس .
26. صحيح البخاري : 9 ، كتاب الفرائض .
27. صحيح البخاري : 5 ، باب غزوة خيبر .
28. وفاء الوفا : 2 / 444 .
29. نهج البلاغة : الخطبة 202 .
30. أنساب الأشراف : 1 / 405 .
31. المصدر : الفصل الثاني من كتاب الحجة الغراء على شهادة الزهراء لآية الله العظمى الشيخ جعفر سبحاني ، قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ 29 / ذي الحجة الحرام من شهور عام 1421هـ . : 51 ـ 99