إن غيبة الامام المنتظر (عليه السلام) كانت ضرورية، لا غنى للامام عنها. نذكر لك بعض الاسباب التي حتمت غيابه (عليه السلام):
كان من المعروف من الأخبار والروايات المتواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله) أن عدد الأئمة اثني عشر إماماً، وأن الإمام الثاني عشر هو الذي يزيل دول الظلم ويقضي على أئمة الجور والطغيان، فكان حكام الدولة العباسية يترقبوا هذا الأمر ويحسبون له ألف حساب، فوضعوا الإمام الحادي عشر أي الحسن العسكري (عليه السلام) تحت الإقامة الجبرية في بيته بسامراء، كما وضعوا نساؤه تحت الرقابة المباشرة، وذلك للقضاء على الإمام الثاني عشر وتصفيته أول ولادته.
لذلك شاء الله سبحانه وتعالى إخفاء أمر حمله وولادته إلا عن خواص الشيعة والموثوق بهم من المؤمنين، وبعد ولادته (عليه السلام) تناهى لمسامع الحكومة العباسية بعض الأخبار عن ذلك فتمت مداهمة بيت الإمام العسكري (عليه السلام) مرات عديدة وبشكل مفاجئ للقبض على الإمام المهدي (عليه السلام) وتصفيته، وباءت جميع محاولاتهم بالفشل، مما جعل أم الإمام المهدي السيدة نرجس (رض) تدعي بأنها حامل فسجنت عند القاضي بسامراء لمدة سنتين وذلك بعد وفاة الإمام العسكري حتى شغلوا عنها بثورة صاحب الزنج وسلمها الله منهم بفضله.
فكانت هذه الظروف العصيبة هي التي دعت الإمام المهدي (عليه السلام) للغيبة حفاظاً على نفسه لكي لا يقتل كما قتل آباؤه (عليهم السلام) خصوصاً وهو آخر الأئمة وبقية حجج الله على الخلق وخاتم الأوصياء (عليهم السلام)، وهو المكلف بإقامة الدولة الإسلامية العالمية، فكان لابد من الحفاظ على وجوده بالغيبة حتى ينجز المهمة الموكل بها، وهذا ما نفهمه من الروايات التالية.
فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (لابد للغلام من غيبة، فقيل له: ولم يا رسول الله، قال: يخاف القتل).
الدليل القرآني
من الأدلة القرآنية التي تدل على الغيبة والاختفاء هو الدافع النفسي لدفع الضرر عن النفس فيلجئ الانسان الى تحقيق كل ما يبعد الضرر على النفس ولابد من الإشارة الى ان هناك فرق بين الخوف والخشية، قال: السيد الطباطبائي في تفسير الميزان: والظاهر أن الفرق بين الخشية والخوف أن الخشية تأثر القلب من إقبال الشر، وما في حكمه والخوف هو التأثر عملاً بمعنى الإقدام. على تهيئة ما تبقى به المحذور وإن لم يتأثر القلب، ولذا قال سبحانه في صفة الأنبياء: ولا يخشون أحداً إلا الله.
فالدليل القرآني ما جاء في خبر خروج موسى بن عمران عليه السلام حيث قال الله تعالى إشارة الى خروجه من قومه خائفا: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ . فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ).
ويقول الشيخ الطوسي: ((لا علة تمنع من ظهور المهدي إلاّ خوفه على نفسه من القتل، لأنه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار)) (الغيبة: 199).2
الامتحان والاختبار:
وثمة سبب آخر علّل به غيبة الإمام (عليه السلام)، وهو امتحان العباد واختبارهم، وتمحيصهم. فقد أثر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قـال: ((أمّا والله ليغيبن إمامك شيئاً من دهركم، ولتمحصن، حتى يقال: مات أو هلك بأيّ واد سلك، ولتدمعن عليه عيون المؤمنين ولتكفأن كما تكفأ السنن في أمواج البحر، فلا ينجو إلاّ من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان، وأيّده بروح منه)) (البحار: 53 / 7 و281).