لبى الحسين عليه السلام صرخة الأمة واستغاثتها، تلك الأمة التي كانت تعيش حياة البؤس والحرمان والذل والهوان على أيدي حكامها الطغاة الذين كانوا يحكمون الناس باسم الله وشرائع السماء واصفين أنفسهم بأمراء المؤمنين وأولي الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم تفسيرا للآية الحكيم بتبع الهوى.
فأسرع عليه السلام نحو العراق ملبيا دعوة الداعين لتخليص الأمة من ذئاب قد افترستها بلا رحمة قاصدا بذلك تحقيق الحق وإقامة العدل.
فخرج عليه السلام هو وأهل بيته من مدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) متوجها نحو مكة المكرمة لإقامة الحجة على كافة المسلمين ومنها توجه إلى العراق حاملا معه النساء والأطفال ومن عزّ لديه من أهل بيته وخلص أصحابه.
ولما اعترض عليه المعترضون قائلين يا حسين: لا تخرج وتشق عصا المسلمين, أعرض عنهم وقال كلمته الخالدة (إنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) آمر بالمعروف وانهى عن المنكر )، فلم تأخذه في الله لومة لائم صاغتها ظلمات حناجر الدجالين او تلتها ألسن الجهلة المتنسكين الذين ظنوا شرع الله كثرة صلاة بها تُسّود جباههم و إن كانوا لداعية الحق الذي افترضه الله تعالى عليهم تاركين وللحق جاهلين وعن إقامة العدل معرضين في حين انه لو كانت كثرة العبادة منجية من سخط الله تعالى لما كان ابليس في الدرك الاسفل من النار بعد ستة آلاف سنة من العبادة عندما أبى واستبكر عن امتثال أمر الله تعالى.
ولما وصل الحسين عليه السلام الى مشارف الكوفة وسأله البعض عما دعاه لحمل نسائه وأطفاله ونساء بني عمومته قال مقالته التي لو شرحناها وبينا مدى ابعادها للأم وبالأخص للمسلمين منهم لميزوا بذلك بين الصادقين والكاذبين حينما قال لأهل الكوفة أو العراق (أهلي مع أهليكم ونفسي مع أنفسكم) مبينا للعالم ان دعاة الحق والصالحين لا يدعون أحدا الى تحقيق عدل ودفع ظلم ونساؤهم واطفالهم في الأمان وأعراض الناس وأطفالهم معرضون للعدوان والقتل والأخطار كما يفعل ذلك الدجالون والماكرون.
كما وأنه عليه السلام خلافا لما يشاع ويكتب من أنه لما وقع النزاع بين أصحابه و أهل بيته مِن أنه مَن يتقدم للقتال يوم العاشر من المحرم, الأنصار او بنو هاشم وأنه ما رضي الانصار إلا ان يتقدموا فرضي بذلك بنو هاشم فإنه يؤسفني ان اسمع مثل هذا الطرح صادرا من بعض الخطباء و رجال الدين بعد كونه مخالفا لسيرة الصادقين ومنهج الشرع وما عليه واقع الحروب من كونها تبدأ بتقدم بعض الابطال من الطرفين ثم تلتحم الحرب بعد ذلك وكان الحسين عليه السلام قبل التحام الحرب قال لولده علي الأكبر تقدم يا بني ولذا كان علي الأكبر اول قتيل يوم الطف لأنه بعد قتله الكثير من الابطال أمر ابن سعد الجيش بالهجوم و قال اشهدوا لي عند الأمير عبيد الله بن زياد أني اول رام رمى الحسين بن علي فاحتوشوه من كل جانب ومكان وقطعوه بالسيوف وكان ذلك مخالفا لأعراف الحروب لكن لا عرف ولا دين لبني أمية و أزلامهم .
وهكذا كانت سيرة الصادقين على طول التأريخ في حروبهم فذا هو علي عليه السلام وهو بطل الابطال يحدثنا ان المعارك التي كانت تجري في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) اذا اشتدت المعركة وحمي الوطيس واحمرت الحدق قال علي عليه السلام كنا عندها نلوذ برسول الله (صلى الله عليه وآله) فما كان احد منا اقرب الى العدو منه.
أجل كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما تشتد المعركة يجعل نفسه درعا يقي به أهل بيته والمسلمين وذا هو علي (عليه السلام) ايضا يحدثنا قائلا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) اذا تقابلا الجيشان المسلمون والمشركون يقول تقدّم يا علي تقدم يا حمزة تقدم يا فلان ويا فلان من أهل بيته وعمومته فيجعل اهل بيته درعا يقي بهم المسلمين ونفسه درعا يقي بها أهل بيته وما سمعنا يوما من الأيام ان صالحا من الصالحين او اماما من الائمة او نبيا من الأنبياء الذين هم الأسوة لرسم معالم الشرع أمر اصحابه بالدفاع عن حق او عدل واختبأ ورائهم طالبا للآمن وكيف يكون ذلك وهو يرى القتل شهادة يلقى بها ربه و ذا هو علي عليه السلام يقف في القلب في معركة الجمل ويعطي الراية العظمى لولده محمد و يأمره بالتقدم فلما ابطأ بعث إليه ان تقدم يا بني فبعث إليه محمد بن الحنفية والله اني لأتقدم على جبال من الاسنة والسيوف فلما رأى علي عليه السلام نفسه اولى بحمل الراية العظمى من ولده محمد تقدم وأخذ الراية منه و سار بها نحو القوم فلم يسبقه احد اليهم ولم يكن احد أقرب منه الى أصحاب الجمل وكان قد جعل ولده الحسن و الحسين في الميمنة والميسرة وهكذا كانت حروبه في صفين والنهروان دروسا لطلاب الحقيقة واصحاب البصائر لنميز بذلك بين دعاة الحق والباطل وأهل الصدق والكذب ولنعرف سيرة الصادقين ومن كان يريد الاسلام لنفسه ليعيش به في الدنيا حياة الترف والرئاسة و الجبروت والسلطان على حساب قيم رسالات السماء ومن يريد نفسه للحق والاسلام مضحيا بكل غال ونفيس من أجل اعلاء كلمة لا إله إلا الله كلمة الحق التي بها تحقيق موازين العدل ليعيش الناس حياة الكرامة والعز لا الذل والهوان .
فكفى أيها الحكام ضحكا على الشعوب باسم الدين ومظاهر التقوى يا من قدمتم و تقدمون ابناء الناس و الفقراء والمساكين الى محارق الموت في لهوات الحروب وأنتم آمنون فاكهون في بيوتكم تستغلون جهل الأمة بشريعة الاسلام لغاياتكم وعروشكم يا من قلتم وتقولون إن تساقط ابناء الفقراء و البسطاء من الناس كالورق في أيام الخريف في محارق الحروب يا ليتنا كنا من حرس الثورة فهب انكم كنتم شيوخا عاجزين فأين قافلة الشهداء التي قدمتموها من الابناء و الاحفاد والاصحاب وذا هي الحرب قد دامت بين ايران والعراق ثمانية اعوان اكلت الاخضر واليابس وقتل فيها الملايين من المسلمين وجرح من جرح وهدمت فيها الديار واضيعت الحريم وقد قاتل مع الانبياء والائمة الصالحين من تجاوز الثمانين عاما كعمار وحبيب بن مظاهر وغيرهما من الابرار كثير على طول التأريخ فإن الحرب بين ايران والعراق ان كانت كما تزعمون بين الاسلام والكفر فلماذا لم تبادروا اليها شهداء في سبيل الحق لتكونوا اسوة يقتدي بكم الصالحون كما هي سنة الله في عباده بأن جعل الأنبياء واوصيائهم الكرام اسوة يقتدي بهم اهل البصائر.
هدانا الله وإياكم ايها الناس ويا أمة محمد (صلى الله عليه وآله) الى مناهج اوليائه وثبتنا على الطريق وابعدنا عن الدجل والنفاق والرياء انه ولي التوفيق والسلام على من اتبع الهدى.
فهذه كلمة حق لمن شاء الى ربه سبيلا لكي لا نكون من الكاتمين للحق وسيرة محمد وآله الطاهرين لمرضاة الاكثرية التي تقدس الرجال بدلا من تقديس شرع الله تعالى كما وانها كلمة تقال لإقامة الحجة ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من اتى الله بقلب سليم.
وأسمعوها ايها الناس لا من امثالي من الخاطئين والجهال المذنبين بل من الصادق الأمين سيد المرسلين محمد ابن عبد الله (ص) حيث يقول: (الحق لا يعرف بالرجال) فلا تخدعوا بالمظاهر وزنوا الرجال بالحق ولا تزنوا الحق بالرجال واسمعوها ايضا ايها الناس من امام المتقين امير المؤمنين علي عليه السلام حيث يقول (الحق لا يعرف بالرجال اعرفوا الحق تعرفوا أهله).
أجل إنه من عرف الحق عرف أهله بموازين الحق علما وعملا وبذلك سيجد معالمه واضحة يتمكن بها ان يميز بين رجال الحق والباطل فاقرؤا ايها الناس بانفسكم سيرة محمد وآله الطاهرين قراءة لله تعالى تهتدوا بها الى سبل ربكم اللهم وفقنا للحق والعمل به و ابعدنا عن العيش على حساب دينك وجنبنا مسالك الشياطين الساكتين عن الحق لمرضاة العامة من عبادك إنك انت ارحم الراحمين حسبنا الله عليه توكلنا انه هو ارحم الراحمين.