بالنسبة إلى فروع الدين ، أي الأحكام الشرعية المتعلقة بالأعمال ، لا بُدَّ للمكلَّف أن يسلك إحدى الطرق التالية المعتمدة عقلاً و شرعاً للوصول إلى الحكم الإلهي ، حتى يتمكن من امتثاله ، إذ لا بُدَّ أن يعرف الحكم أولاً حتى يتمكن من تطبيقه على حياته الفردية و الاجتماعية ، أما طرق الوصول إلى الحكم الإلهي فتنحصر فيما يلي :
1. الاجتهاد : و المقصود هو أن يكون المكلّف فقيهاً يتمكن من ممارسة عملية الاجتهاد بنفسه و يكون قادراً على النظر في أدلة الأحكام و التوصّل إلى الظن الشرعي ، و هذا إنما يتحقق لمن يكون مؤهلاً لذلك و جامعاً لشروط الإجتهاد ، و من الواضح أن شروط الاجتهاد لا تتوفر لعامة الناس ، إذ أن الفقاهة مرتبة عالية لا ينالها بشروطها إلا ذو حظّ عظيم .
2. الاحتياط : و المقصود منه هو أن يأخذ المكلّف جانب الإحتياط في أعماله ، بأن يعتمد في أعماله على ما يقبله جميع الفقهاء ، بحيث لا يترك و اجباً على رأي أي واحد منهم ، و لا يرتكب حراماً على رأي أحدهم .
و لمزيد من التوضيح نقول بأن المقصود من الإحتياط في العمل بالأحكام الشرعية ، هو العمل الذي يتيقّن معه المكلّف ببراءة ذمته واقعاً ، ، و هو أصعب من التقليد ، و الاحتياط ـ كما هو واضح ـ مما لا يقدر عليه أغلب الناس ، بل هو خارج عن و سعهم و مقدرتهم ، و السبب في ذلك يعود إلى لزوم كون المكلّف عارفاً و محيطاً بآراء جميع الفقهاء في كافة الأحكام الشرعية التي يحتاج إليها الإنسان غالباً و هذا مما لا يقدر عليه إلا ذوو الاختصاص و الخبرة العالية في الفقه و الأحكام الشرعية عادةً .
3. التقليد : و المقصود منه هو كون عمل المكلَّف مستنداً إلى فتوى الفقيه الجامع لشروط الاجتهاد و المؤهل للتقليد و الالتزام بالعمل بما توصّل إليه ذلك المجتهد .
ثم إن التقليد هو مراجعة ذوي الإختصاص و الأخذ برأيهم ، كما أن الإجتهاد هو النظر في الأدلة الشرعية لتحصيل الحكم الشرعي الواقعي و هي ـ أي الأدلة الشرعية ـ أربعة كما ذكرها العلماء :
1. القرآن الكريم .
2. السُّنة 1 .
3. العقل 2 .
4. الإجماع 3 .
و التقليد في المصطلح الديني كما يعبّر عنه العلماء هو : قبول قول الغير و الاعتماد على ما توصل إليه في رأيه العلمي من غير سؤال عن الأدلة و البراهين التي اعتمد عليها ، طبعاً بعد التثبّت من صلاحية ذلك المُقَلّد ـ أي المجتهد ـ و أهليته لأن يكون مُقَلّداً .
و إنما سُمي ذلك تقليداً لان المقلد يجعل ما يلتزم به من قول الغير من حق أو باطل قِلادةً في عنق من قلَّده و يُحمّله مسؤولية ذلك .
1. السُنّة : هي قول المعصومين ( عليهم السلام ) و فعلهم و تقريرهم ، و على رأسهم رسول الله محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، و على هذا إذا روى شخصٌ ثقة حديثاً عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) و اشتمل ذلك الحديث على قول النبي أو فعله أو تقريره ، كان معتبراً في نظر الشيعة الإمامية و تلقوه بالقبول و عملوا وفقَه .
و ما نجده في مؤلفات الشيعة و مصنّفاتهم شاهدُ صدق على هذا القول ، و يجب أن نقول : أنه ليس هناك أيّ فرق بين كتب الشيعة في الحديث ، و كتب أهل السنة في الحديث ، في هذا المجال ، إنما الكلام هو في تشخيص من هو الثقة ، و في درجة اعتبار الراوي . راجع العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) : 318 ، للعلامة المحقق آية الله الشيخ جعفر السبحاني ( حفظه الله ) ، الطبعة : الأولى / مؤسسة الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، قم / إيران .
2. المقصود من العقل هو الدليل العقلي القطعي ، أمّا الدليل العقلي الظني ( كالقياس و الاستحسان ) فليس المقصود من العقل هنا.
أمّا الأحكام العقلية اليقينية ، كاليقين بقبح الظلم و الكذب و السرقة و الخيانة، فحكم العقل فيها معتبر و يكشف عن حكم الشرع بمقتضى قاعدة : " كل ما حكم به العقل حكم به الشرع " .
3. الإجماع : هو اتفاق آراء الفقهاء في مسألة شرعية ، بحيث يكون كاشفاً عن رأي المعصوم ( عليه السلام ) .