نص الشبهة:
إنّ الإسلام منح المرأة حريتها وشخصيتها واستقلالها الفكري والاقتصادي، واعترف بحقوقها الطبيعية إذا كانت بالغة عاقلة رشيدة، وكذا بالنسبة للذكر البالغ العاقل الرشيد، لا يوجد هناك لأحد حقّ للإشراف عليهما أو التدخل في شؤونهما من هذه النواحي المتقدّمة.
إنّ الفتى إذا بلغ وكان عاقلاً رشيداً، فإنّه يملك أمره في الزواج، فلا يحق لأحد أن يفرض عليه شيئاً في موضوع زواجه.
أمّا الفتاة فإن كانت ثيّباً، فهي أيضاً تملك أمرها في الزواج واختيار الزوج المناسب لها، كما في الفتى البالغ العاقل الرشيد.
وأمّا الفتاة البالغة العاقلة الرشيدة البكر إذا كانت مالكة لأمرها ومستقلّة في شؤون حياتها، فيجوز لها أن تتزوّج بدون إذن الأب والجد للأب على رأي بعض العلماء ; لوجود رواية صحيحة تدلّ على ذلك، وكأنّ استقلالها في شؤون حياتها يدلّ على أنّها ناضجة من الناحية الاجتماعية بحيث أعطاها الأب إجازة في تصرّفاتها كلّها ومنها اختيار الزوج.
أمّا الفتاة البالغة العاقلة الرشيدة الباكر إذا لم تكن مالكة لأمرها ومستقلّة في شؤون حياتها، ولكن تعذّرت استجازة الأب والجد للأب في أمر زواجها ; لغيبتهما أو حبسهما ونحو ذلك، وكانت البنت بحاجة إلى الزواج وأرادت الزواج بفرد معيّن، ففي هذه الصورة تسقط الاستجازة من الأب أو الجد للأب في أمر زواجها.
أمّا الفتاة البالغة العاقلة الرشيدة الباكر إن لم تكن مالكة لأمرها وليست مستقلّة في شؤون حياتها، وكان الأب أو الجدّ للأب موجوداً معها، فلايجوز للأب والجد للأب تزويجها من دونه رضاها. ومعنى ذلك عدم وجود سلطة مطلقة لهما عليها، ولكن هل يجوز لها أن تتزوج بدون إذن الأب والجد للأب؟
هنا يذهب جمله من الفقهاء (وهناك جملة كبيرة من الفقهاء ولعلّ مشهور المتقدّمين يقول بعدم الحاجة إلى إجازة الأب والجد في أمر زواجها.) إلى عدم صحة زواجها من دون رضاها ورضى أحد الأبوين (الأب أو الجد للأب)، ومعنى ذلك أنّ هذا المورد تكون فيه للأب أو للجد للأب نوع ولاية على البنت الباكر، فلايصح زواجها من دون موافقة أحد الأبوين.
فهل هذا الأمر يكون من باب أنّ الفتاة قاصرة، أو أقلّ من الرجل في النضج الاجتماعي؟
الجواب:
ليس الأمر كذلك وإلاّ لما كان هناك فرق بين الثيب والبكر ; لتكون الثيب البالغة من العمر خمسة عشر عاماً مستغنية عن موافقة الأب والجد للأب، بينما تحتاج البكر البالغة ثمانية عشر عاماً إلى الموافقة.
وإذا كان الإسلام يعتبر قصوراً في الفتاة في إدارة اُمورها، فلماذا أعطى البنت البالغة الرشيدة استقلالها الاقتصادي وصحح معاملاتها المالية حتى لو كانت خطيرة، دون الحاجة إلى موافقة الأب أو الجد للأب أو الاخ؟
إذن هناك سبب آخر هو الذي جعل الإسلام زواجها بحاجة إلى رضاها ورضى أحد الأبوين، فما هو ذلك السبب؟
أقول: إنّ هذا السبب لا يرتبط بقصور المرأة وعدم نضجها العقلي، إذ تقدّم منّا مراراً أنّ النساء البالغات العاقلات كاملات من كلّ النواحي، ولعلّ نضجها العقلي يكون أسرع من نضج الذكر، ولذا فقد كلّفت بالعبادات قبل تكليف الذكر، وهذا واضح.
ولكن لعلّ ما قاله علماء النفس: من أنّ سرعة اطمئنان المرأة بالرجل الذي يظهر لها المحبة والإخلاص، يجعلها أسيرة كلمات المحبة والإخلاص التي تسمعها من فم الرجل، هي الباعثة على جعل إجازة أحد الأبوين ضماناً للأمان من وقوعها في أسر المحبة بدون تثبّت ومن دون مراعاة للاُمور التي يجب أن تتوفّر في الزوج اللائق لها المناسب لشأنها، فجعل الإسلام إجازة أحد الأبوين لأجل أن لا تقع المرأة في مكان غير مناسب لشأنها ; لمجرّد إظهار المودة والمحبة الزائفة، وهذا كما ترى احتياط لها ودليل ينير لها الطريق لئلا تقع في هوّة سحيقة لا تتمكن أن تخرج منها نتيجة فعلها المنفرد، أمّا إذا كان الزواج نتيجة عمل مشترك من رضاها ورضا الأب أو الجد للأب، ونتيجة تدبّر يحصل من الأب عادة، فسوف يقل احتمال وقوع البنت في مكان غير مناسب لشأنها ومضرّ لها.
ولهذا كان الفقهاء يذكرون: أنّ الأب الذي لا يأذن في زواج بنته الباكر ولم يكن له سبب معقول لذلك، بل يظهر من فعله التحكّم والتسلّط، فإنّ ولايته على البنت تسقط، ويحقّ للبنت الباكر أن تختار الزوج المناسب لها بانفرادها.
إذن من كلّ ما تقدّم نفهم: أنّ القانون الإسلامي لم يحتقر المرأة الباكر بجعل وليّ لها في الزواج يشترك معها فيه، بل هذا الحكم يكون حماية للبنت الباكر واحتراماً لها وليس احتقاراً 1.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. من كتاب: أوضاع المرأة المسلمة ودورها الاجتماعي من منظور إسلامي، لسماحة الشيخ حسن الجواهري.