الدليل الأوّل:
لا يخلو الداعي إلى فعل القبيح عن أربع صور، وهي:
الاُولى: الجهل بالقبح: وهي أن يكون فاعل القبيح جاهلا بقبح ما يفعله .
الثانية: العجز عن تركه: وهي أن يكون فاعل القبيح عالماً بقبح ما يفعله ، ولكنه عاجز عن تركه .
الثالثة: الاحتياج إليه: وهي أن يكون فاعل القبيح عالماً بقبح ما يفعله ، وغير عاجز عن تركه ، ولكنه محتاج إلى فعله .
الرابعة: فعله عبثاً: وهي أن يكون فاعل القبيح عالماً بقبح ما يفعله ، وغير عاجز عن تركه، وغير محتاج إلى فعله ، ولكنه يفعله عبثاً .
واللّه سبحانه وتعالى منزّه عن جميع هذه الصور (وهي الجهل والعجز والاحتياج والعبث) ، لأنّه تعالى هو العالم والقادر والغني والحكيم على الإطلاق ، فلهذا يستحيل عليه فعل القبيح(1) .
وذكر معظم علماء الشيعة:
أنّ اللّه تعالى لا يفعل القبيح لعلمه بقبحه واستغنائه عنه(2) .
تنبيه :
إنّ اللّه تعالى لا يفعل القبيح لعدم وجود الداعي لفعله .
أمّا فعله تعالى للحسن ، فليس الداعي احتياجه تعالى إليه ، وإنّما يفعل اللّه الحسن لحسنه لا للحاجة إليه(3) .
الدليل الثاني :
إنّ اللّه تعالى حكيم ، وهذه الحكمة الإلهية تستلزم عدم فعله تعالى للقبيح ، لأنّ فعل القبيح لا ينسجم مع الحكمة .
الدليل الثالث :
يلزم فعله تعالى للقبيح عدم الجزم بصدق الأنبياء، لأنّ دليل النبوّة مبني على إظهار اللّه المعجزة على يد النبي، فلو كان اللّه فاعلا للقبيح ، فإنّه قد يُظهر المعجزة على يد من يدّعي النبوّة كذباً ، فلا يمكن بعد ذلك الوثوق بصحة نبوّة أي نبي(4) .
الدليل الرابع :
يلزم فعله تعالى للقبيح جواز صدور الكذب منه تعالى ، لأنّ الكذب نوع من أنواع فعل القبيح ، ومنه يلزم عدم الوثوق بوعد الله ووعيده تعالى، فينتفي الجزم بوقوع ما أخبر بوقوعه من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية(5) .
الدليل الخامس :
يلزم من فعله تعالى للقبيح جواز وصفه تعالى بالظلم والجور والعدوان ، لأ نّه تعالى لو كان فاعلا للقبيح لأمكن أن يصدر منه الظلم والجور والعدوان ، لأ نّها من جملة القبائح .
تنبيه :
بما أنّ اللّه تعالى منزّه عن فعل القبيح ، فلهذا لا يصح نسبة أيّ فعل قبيح إليه تعالى ، وبما أ نّنا نجد ارتكاب بعض العباد للأفعال القبيحة، فلهذا لا يصح نسبة هذه الأفعال إلى اللّه تعالى ، بل ينبغي نسبتها إلى العباد ، ويكون كلّ إنسان هو المسؤول عن الفعل القبيح الذي يصدر عنه(6).
المبحث الثالث
مناقشة رأي الأشاعرة حول فعله تعالى للقبيح
ذهب الأشاعرة إلى أنّ اللّه تعالى يفعل ما يشاء ، وكلّ ما يفعله اللّه تعالى فهو حسن ، وإن حكم العقل بقبح هذا الفعل(7) .
أدلة الأشاعرة :
الدليل الأوّل :
إنّ الفعل لا يكون قبيحاً إلاّ بعد نهي الشارع عنه ، وبما أنّ أفعال اللّه تعالى لا تقع في إطار أوامر ونواهي الشرع ، فلهذا لا يمكن تصوّر فعل القبيح في أفعال اللّه تعالى .
قال أبو الحسن الأشعري:
"الدليل على أنّ كلّ ما فعله [ تعالى ] فله فعله أ نّه ... لا فوقه مبيح، ولا آمر، ولا زاجر، ولا حاظر، ولا من رسم له الرسوم، وحدّ له الحدود ، فإذا كان هذا هكذا لم يقبح منه شيء، إذ كان الشيء إنّما يقبح منّا لأ نّا تجاوزنا ما حدّ ورسم لنا ، وأتينا ما لم نملك إتيانه ، فلمّا لم يكن الباري ... تحت أمر لم يقبح منه شيء"(8).
يرد عليه :
1 ـ إنَّ بعض الأفعال قبيحة بذاتها، ولا يعود منشأ قُبحها إلى حكم الشرع .
وسنبحث هذا الموضوع بصورة مفصّلة في الفصل القادم .
2 ـ "لو كان القبيح إنّما يقبح للنهي، لوجب فيمن لا يعرف النهي ولا الناهي أن لا يعرف شيئاً من القبائح"(9).
وبعبارة اُخرى: لو كان نهي الشرع هو المنشأ الوحيد لقبح جميع الأفعال، فينبغي أن لا يعتقد منكر الشرع بقبح شيء، لأ نّه لا يؤمن بالشرع فلا يكون عنده شيءٌ قبيحٌ .
ولكننا نرى غير الملتزمين بالدين ـ على اختلاف فصائلهم ـ :
يصفون بعض الأفعال بالقبح ويعتقدون بأ نّهم ملزمون بتركها .
ويسند هؤلاء تقبيحهم إلى العقل من غير أن يكون لحكم الشرع أيّ أثر في هذا التقبيح.
3 ـ "لو كان القبيح يقبح للنهي ، لوجب أن يكون الحسن يحسن للأمر ، فيلزم عليه أن لا توصف أفعاله تعالى بالحسن أيضاً، لأ نّه [ تعالى ] كما لم ينه عن شيء، [ فإنّه تعالى ] لم يُؤمر بشيء"(10).
الدليل الثاني للأشاعرة :
"الدليل على أنّ كلّ ما فعله [ تعالى ] ، فله فعله: أ نّه المالك القاهر الذي ليس بمملوك ... فإذا كان هذا هكذا لم يقبح منه شيء"(11).
وقال الشهرستاني:
"أمّا العدل فعلى مذهب أهل السنة: أنّ اللّه عدل في أفعاله ، بمعنى أ نّه متصرّف في مُلكه ومِلكه ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد"(12).
بعبارة أُخرى :
لا يمكن تصوّر فعل القبيح بالنسبة إلى اللّه تعالى ، لأ نّه تعالى هو المالك لكلّ شيء على الإطلاق ، ويعتبر أي تصرّف له تعالى في العالم، إنّما هو تصرّف في شيء يملكه ، وله أن يفعل به كيفما يشاء .
يرد عليه :
إنّ ملكية الشيء لا تعني امتلاك المالك حقّ التصرّف بها على خلاف موازين الحكمة والعدل.
ولهذا نجد العقلاء يذمّون من يلقي أمواله في البحر بلا سبب، ويحكمون بسفاهته مع علمهم بمالكيته لتلك الأموال.
بعبارة أُخرى :
إنّ "الملكية" لا تبيح فعل القبائح العقلية أصلا .
ولهذا يستنكر العقلاء على المالك الذي يعذّب عبده بلا جهة، ويعتبرونه سفيهاً يستحق اللوم إزاء فعله القبيح هذا .
واللّه تعالى على رغم كونه مالكاً لكلّ شيء وقادراً على كلّ شيء ، ولكنه مع ذلك "حكيم"، وحكمته تنزّهه عن فعل القبيح .
ولهذا قال تعالى: { وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْم وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ }[ هود: 117 ].
المبحث الرابع
قدرة اللّه تعالى على فعل القبيح
قال الشيخ المفيد: "إنّ اللّه ـ جلّ جلاله ـ قادر على خلاف العدل ، كما أ نّه قادر على العدل ، إلاّ أ نّه لا يفعل جوراً ولا ظلماً ولا قبيحاً ، وعلى هذا جماعة الإمامية"(13) .
أدلة قدرته تعالى على فعل القبيح :
1 ـ إنّ اللّه تعالى قادر على كلّ مقدور ، والقبيح مقدور ، فيثبت أ نّه تعالى قادر على فعل القبيح(14).
2 ـ إنّ "الفعل الحسن" من جنس "الفعل القبيح" ، والقادر على أحد الجنسين يكون قادراً على الآخر(15) .
مثال :
ألف ـ إنّ قعود الإنسان في دار غيره غصباً من جنس قعوده فيها باذن مالكها، ولكن أحدهما قبيح والآخر حسن .
ب ـ إنّ اللّه تعالى قادر ـ بلا خلاف ـ على معاقبة العاصي ، ولا يخفى بأنّ هذه القدرة لم تتحقّق عند وقوع المعصية من المكلّف ، بل كان اللّه تعالى قادراً على
المعاقبة قبل ذلك ، وعقوبته تعالى قبل ذلك من جملة الأفعال القبيحة، فثبت أ نّه تعالى قادر على فعل القبيح(16).
3 ـ إنّنا قادرون على فعل القبيح ، واللّه تعالى أقدر منّا في جميع الأحوال ، فيثبت بذلك أ نّه تعالى قادر على فعل القبيح(17).
مناقشة رأي القائلين بعدم قدرة اللّه على فعل القبيح :
ذهب البعض إلى أنّ اللّه تعالى غير قادر على فعل القبيح ، لأ نّه تعالى لو كان قادراً على فعل القبيح لصح منه فعله ، وصحة فعل القبيح منه تعالى دليل على اتّصافه تعالى بالجهل والاحتياج، وهو منزّه عن ذلك(18).
يرد عليه :
1 ـ إنّ امتلاك القدرة على فعل معيّن لا يدل على أنّ صاحب تلك القدرة سيستخدم قدرته في القيام بذلك الفعل .
وإنّما الفعل يتبع الإرادة والاختيار ووجود الداعي و ... .
واللّه تعالى حكيم، وتمنعه حكمته من فعل القبيح على الرغم من امتلاكه القدرة عليه .
2 ـ إنّ الاتّصاف بالجهل والاحتياج يكون مع "فعل القبيح" لا مع "امتلاك القدرة
على فعله" ، وإنّ عدم فعله تعالى للقبيح ليس لأ نّه غير قادر على فعله ، بل لأ نّه تعالى حكيم وعالم وغني، فلا يريد فعل القبيح(19).
المبحث الخامس
عدم فعله تعالى للظلم
معنى الظلم :
"وضع الشيء في غير موضعه ... وأصل الظلم الجور ومجاوزة الحدّ"(20).
أدلة عدم فعله تعالى للظلم :
1 ـ إنّ الظلم ينبثق عن الجهل والحاجة والحقد والعجز والضعف والخوف والعبث وغيرها من الرذائل التي يكون اللّه تعالى منزّهاً عنها، فلهذا يستحيل عليه تعالى الظلم .
2 ـ إنّ اللّه تعالى ذمّ الظالمين وندّد بهم ونهى الناس عن الظلم ، فكيف يكون سبحانه ظالماً للعباد؟!
3 ـ إنّ الظلم قبيح ، واللّه تعالى ـ كما بيّنا فيما سبق ـ منزّه عن فعل القبيح .
نفي الظلم عن اللّه تعالى في القرآن الكريم :
1 ـ { شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ } [ آل عمران: 18 ]
2 ـ { وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً } [ الأنبياء: 47 ]
3 ـ { إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [ يونس: 44 ]
4 ـ { فَما كانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [ التوبة: 70 ]
5 ـ { وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [ النحل: 118 ]
6 ـ { إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّة } [ النساء: 40 ]
7 ـ { وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً } [ الكهف: 49 ]
8 ـ { وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَـلاّم لِلْعَبِيدِ } [ الأنفال: 51 ]
9 ـ { وَما رَبُّكَ بِظَـلاّم لِلْعَبِيدِ } [ فصّلت: 46 ]
10 ـ { وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ } [ آل عمران: 108 ]
11 ـ { وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ } [ الزخرف: 76 ]
12 ـ { وَما ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [ النحل: 33 ].
____________
1- انظر: نهج الحقّ ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة ، مبحث: أن اللّه تعالى لا يفعل القبيح ، ص 85 .
2- انظر: الاقتصاد ، الشيخ الطوسي: القسم الثاني، الفصل الأوّل ، ص 88 .
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الثالث، ص90 .
قواعد المرام ، ميثم البحراني ،: القاعدة الخامسة، الركن الأوّل ، البحث الخامس ، ص111 .
مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس ، البحث الثالث ، ص243 .
كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث ، المسألة الثانية ، ص420 .
إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري: مباحث العدل ، إثبات أنّ الباري لا يفعل القبيح ، ص260 .
3- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: أبواب العدل، في أ نّه تعالى لا يفعل القبيح ، ص 85 .
تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي: مسائل العدل ، مسألة: في كونه تعالى لا يفعل القبيح ، ص 102.
المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي: القول في العدل ، ص 161 .
4- انظر: مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس، البحث الثالث، ص243.
نهج الحقّ ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، مبحث أنّ اللّه تعالى لا يفعل القبيح ، المطلب الثالث ، ص 86 .
5- انظر: النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد : الفصل الثاني ، ص33 .
الرسالة السعدية، العلاّمة الحلّي : القسم الأوّل ، المسألة السادسة ، البحث الثاني، ص57.
ومن هنا تتثّبط عزيمة الإنسان عن طاعة أوامر اللّه تعالى واجتناب نواهيه، وسيقول الإنسان: ما هي فائدة عبادتي للّه تعالى، وقد يدخلني اللّه تعالى في النار رغم عبادتي له ، لأ نّه يفعل ما يشاء ، ومنها فعل القبيح !
6- انظر: المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي: ج1، القول في العدل ، ص 164 .
7- انظر: المواقف ، عضد الدين الإيجي : ج3 ، الموقف 5 ، المرصد 6، المقصد 6 ، ص 283 .
شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني: ج4، المقصد 5، الفصل 5، المبحث 4، ص294.
8- اللمع ، أبو الحسن الأشعري: الباب السابع، ص116 .
9- المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي: ج1، القول في العدل ، ص 155 .
10- المصدر السابق .
11- اللمع ، أبو الحسن الأشعري: الباب السابع، ص116 .
12- الملل والنحل ، عبد الكريم الشهرستاني: ج1، الباب الأوّل ، ص 42 .
13- أوائل المقالات ، الشيخ المفيد: قول 24، ص 56 .
14- انظر: شرح جمل العلم والعمل ، الشريف المرتضى: باب مايجب اعتقاده في أبواب العدل ، ص83 ـ 84 .
المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي: النظر الثاني ، البحث الثالث ، ص 88 .
15- انظر: الملخص ، الشريف المرتضى: الجزء الثاني ، باب الكلام في العدل ، ص325 .
الاقتصاد ، الشيخ الطوسي: القسم الثاني ، الفصل الأوّل ، ص88 .
تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي: مسائل العدل ، مسألة في كونه تعالى قادراً على القبيح ، ص99 .
16- انظر: الملخص ، الشريف المرتضى: الجزء الثاني ، باب الكلام في العدل ، ص325 .
الاقتصاد ، الشيخ الطوسي: القسم الثاني ، الفصل الأوّل ، ص88 .
المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي: القول في العدل، ص 153 .
17- انظر : تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي: مسألة : في كونه تعالى قادراً على القبيح ، ص100 .
غنية النزوع ، ابن زهرة الحلبي : ج2 ، فصل : في أ نّه تعالى قادر على القبيح و ... ، ص 74 .
18- أشار بعض علمائنا إلى هذا الرأي الذي ذهب إليه بعض أعلام المعتزلة .
انظر : تقريب المعارف ، أبو الصلاح الحلبي : مسألة في كونه تعالى قادراً على القبيح ، ص 100 .
المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني ، البحث الثالث ، ص 89 .
المنقذ من التقليد ، سديد الدين الحمصي: ج1 ، القول في العدل ، ص 154 .
19- انظر: المصدر السابق .
20- لسان العرب ، ابن منظور: مادة (ظلم) .