بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى.
أجمع علماء الاِمامية على أنّ القرآن كان مجموعاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يترك دنياه إلى آخرته إلاّ بعد أن عارض ما في صدره بما في صدور الحفظة الذين كانوا كثرة، وبما في مصاحف الذين جمعوا القرآن في عهده صلى الله عليه وآله وسلم، وقد اعتُبِر ذلك بحكم ما علم ضرورة، ويوافقهم عليه جمعٌ كبيرٌ من علماء أهل السنة، وجميع الشواهد والاَدلة والروايات قائمةٌ على ذلك، واليك بعضها:
1 ـ اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة بحفظ القرآن وتعليمه وقراءته وتلاوة آياته بمجرد نزولها، وممّا روي من الحثّ على حفظه، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من قرأ القرآن حتى يستظهره ويحفظه، أدخله الله الجنّة، وشفّعه في عشرة من أهل بيته كلّهم قد وجبت لهم النار» (1)وفي هذا المعنى وحول تعليم القرآن أحاديث لا تحصى كثرة، فعن عبادة بن الصامت قال: «كان الرجل إذا هاجره دفعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى رجلٍ منّا يعلّمه القرآن، وكان لمسجد رسول الله ضجّة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا» (2).
وقد ازداد عدد حُفّاظ القرآن بشكل ملحوظ لتوفر الدواعي لحفظه، ولما فيه من الحثّ من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاَجر والثواب الذي يستحقّه الحافظ عند الله تعالى، والمنزلة الكبيرة والمكانة المرموقة التي يتمتّع بها بين الناس، وحسبك ما يقال عن كثرتهم على عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبعد عهده أن قُتِل منهم سبعون في غزوة بئر معونة خلال حياته صلى الله عليه وآله وسلم، وقُتل أربعمائة ـ وقيل: سبعمائة ـ منهم في حروب اليمامة عقيب وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، وحسبك من كثرتهم أيضاً أنّه كان منهم سيّدة، وهي أمُّ ورقة بنت عبدالله ابن الحارث، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزورها ويسمّيها الشهيدة، وقد أمرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تؤمّ أهل دارها (3).
أمّا حفظ بعض السور فقد كان مشهوراً ورائجاً بين المسلمين، وكلّ قطعةٍ كان يحفظها جماعة كبيرة أقلّهم بالغون حدّ التواتر، وقلّ أن يخلو من ذلك رجلٌ أو أمرأةٌ منهم، وقد اشتدّ اهتمامهم بالحفظ حتى إنّ المسلمة قد تجعل مهرها تعليم سورة من القرآن أو أكثر.
2 ـ لا يرتاب أحدٌ أنّه كان من حول الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم كُتّاب يكتبون ما يملي عليهم من لسان الوحي، وكان صلى الله عليه وآله وسلم قد رتّبهم لذلك، روى الحاكم بسندٍ صحيح عن زيد بن ثابت، قال: «كنّا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نؤلّف القرآن من الرقاع»(4).
وقد نصّ المؤرخون على أسماء كُتّاب الوحي، وأنهاهم البعض إلى اثنين وأربعين رجلاً، وكان صلى الله عليه وآله وسلم كلّما نزل شيءٌ من القرآن أمر بكتابته لساعته، روى البراء: أنّه عند نزول قوله تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين) (النساء4: 95) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ادعُ لي زيداً، وقُل يجيء بالكتف والدواة واللّوح، ثمّ قال: اكتب (لا يستوي...)» (5).
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يشرف بنفسه مباشرة على ما يُكْتَب ويراقبه ويصحّحه بمجرد نزول الوحي، روي عن زيد بن ثابت قال: «كنتُ أكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان إذا نزل عليه الوحي أخَذَتْهُ برحاء شديدة... فكنت أدخل عليه بقطعة الكتف أو كسرة، فأكتب وهو يُملي عليّ، فإذا فرغت قال: «اقرأه»، فأقرؤه، فإن كان فيه سقط أقامه، ثمّ أخرج إلى الناس»(6).
أمّا في مفرّقات الآيات فقد روي عن ابن عباس، قال: «إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا نزل عليه الشيء دعا من كان يكتب فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا» (7) وذلك منتهى الدقّة والضبط والكمال.
3 ـ روي في أحاديث صحيحة «أنّ جبرئيل كان يعارض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القرآن في شهر رمضان، في كلِّ عامٍ مرّة، وأنّه عارضه عام وفاته مرّتين» (8) وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرض ما في صدره على ما في صدور الحفظة الذين كانوا كثرة، وكان أصحاب المصاحف منهم يعرضون القرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعن الذهبي: «أنّ الذين عرضوا القرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبعة: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبدالله بن مسعود، وأُبي ابن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الاَشعري، وأبو الدرداء» (9).
وعن ابن قتيبة: «أنّ العرضة الاَخيرة كانت على مصحف زيد بن ثابت» (10)، وفي رواية ابن عبدالبرّ عن أبي ظبيان: «أنّ العرضة الأخيرة كانت على مصحف عبدالله بن مسعود» (11).
4 ـ وفي عديد من الروايات أنّ الصحابة كانوا يختمون القرآن من أوله إلى آخره، وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد شرّع لهم أحكاماً في ذلك، وكان يحثّهم على ختمه، فقد روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: «إنّ لصاحب القرآن عند كلِّ ختم دعوةً مستجابةٍ» (12). وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من قرأ القرآن في سبعٍ فذلك عمل المقربين، ومن قرأه في خمسٍ فذلك عمل الصدّيقين» (13). وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من شهد فاتحة الكتاب حين يستفتح كان كمن شهد فتحاً في سبيل الله، ومن شهد خاتمته حين يختمه كان كمن شهد الغنائم» (14).
ومعنى ذلك أنّ القرآن كان مجموعاً معروفاً أوّله من آخره على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعن محمد بن كعب القرظي، قال: «كان ممّن يختم القرآن ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيّ: عثمان، وعليّ، وعبدالله بن مسعود» (15).
وقال الطبرسي: «إنّ جماعة من الصحابة مثل عبدالله بن مسعود وأُبي ابن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عدّة ختمات» (16).
وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم «أنّه قد أمر عبدالله بن عمرو بن العاص بأن يختم القرآن في كلِّ سبع ليالٍ ـ أو ثلاث ـ مرّة، وقد كان يختمه في كل ليلة» (17). وأمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سعد بن المنذر أن يقرأ القرآن في ثلاث، فكان يقرؤه كذلك حتى تُوفي (18).
5 ـ كان الصحابة يدوّنون القرآن في صحف وقراطيس ولا يكتفون بالحفظ والتلاوة، فلعلك قرأت ما روي في إسلام عمر بن الخطّاب «أنّ رجلاً من قريش قال له: اختك قد صبأت؛ أي خرجت عن دينك، فرجع إلى اخته ودخل عليها بيتها، ولطمها لطمة شجّ بها وجهها، فلمّا سكت عنه الغضب نظر فإذا صحيفةٌ في ناحية البيت، فيها (بسم الله الرحمن الرحيم * سبّح لله ما في السموات والاَرض وهو العزيز الحكيم...) (الحديد57: 1) واطّلع على صحيفة أُخرى فوجد فيها (بسم الله الرحمن الرحيم * طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى...) (طه20: 1) فأسلم بعدما وجد نفسه بين يدي كلامٍ معجزٍ ليس من قول البشر»، وهذا يدلّ على أنهم كانوا يكتبون بإملاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأن هذا المكتوب كان يتناقله الناس.
وجميع ما تقدّم أدلّةٌ قاطعة وبراهين ساطعة على أنّ القرآن قد كتب كله على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تدويناً في السطور علاوة على حفظه في الصدور، وكان له أوّل وآخر، وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يشرف بنفسه على وضع كلّ شيءٍ في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه، إذن فكيف يمكن أن يقال إنّ جمع القرآن قد تأخّر إلى زمان خلافة أبي بكر، وإنّه احتاج إلى شهادة شاهدين يشهدان أنّهما سمعاه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
____
(1) مجمع البيان 1: 85.
(2) مناهل العرفان 1: 234، مسند أحمد 5: 324، تاريخ القرآن للصغير: 80، مباحث في علوم القرآن: 121، حياة الصحابة 3: 260، مستدرك الحاكم 3: 356.
(3) الاتقان 1: 250.
(4) المستدرك 2: 611.
(5) كنز العمال 2: حديث 4340.
(6) مجمع الزوائد 1: 152.
(7) المستدرك 2: 222، الجامع الصحيح للترمذي 5: 272، تاريخ اليعقوبي 2: 43، البرهان للزركشي 1: 304، مسند أحمد 1: 57 و69، تفسير القرطبي 1: 60.
(8) كنز العمال 12: حديث 34214، مجمع الزوائد 9: 23، صحيح البخاري 6: 319.
(9) البرهان للزركشي 1: 306.
(10) المعارف: 260.
(11) الاستيعاب 3: 992.
(12) كنز العمال 1: 513حديث 2280.
(13) كنز العمال 1: 538حديث 2417.
(14) كنز العمال 1: 524حديث 2430.
(15) الجامع لاَحكام القرآن 1: 58.
(16) مجمع البيان 1: 84.
(17) سنن الدارمي 2: 471، سنن أبي داود 2: 54، الجامع الصحيح للترمذي 5: 196، مسند أحمد 2: 163.
(18) مجمع الزوائد 7: 171.