بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى.
القضية الأكبر في الإسلام، أو قضية الإسلام من أعظم زواياها: أن الله تعالى رب العالمين وخالق الأكوان والإنسان، قد تجلى لرجل من أبناء إبراهيم من ذرية إسماعيل صلى الله عليه وآله وأرسل له سيد ملائكته عليه السلام وأنزل عليه رسالة، فأظهر معجزاته، لكن قبائل قريش اتحدوا ضده وكذبوه، وآمن به بعض عشيرته الأقربين وبعض الناس، وآمنت به مدينة يثرب فهاجر إليها، وحاربته قريش فانتصر عليها وعلى العرب وكوَّن أمةً ومداً حضارياً في مدة قياسية.
هذه الحقيقة أثارت في نفوس الشعوب التي دخلت في الإسلام قضية الله تعالى وعبادته، وولَّدت الإتجاه إلى طلب رضا الله تعالى والنجاة من عذابه والخلود في جنات النعيم، فصارت القضية الأولى المعاشة للناس يومها، وتعامل معها بجدية أصحاب النفوس الصافية من مثقفي تلك الشعب وعوامها. فانفتح باب الإجتهاد على مصراعيه في كيفية معرفة الله تعالى وعبادته، ونشأ التصوف وصار موجة شعبية تعددت فيها الإجتهادات وتأثرت بثقافات الأديان والوثنيات!
وعقيدتنا نحن أتباع أهل البيت عليهم السلام أن الله تعالى لا يجوز في حكمته أن يترك الأمر للناس ليجتهدوا في معرفته وعبادته ، وأن القرآن لا يكفي لذلك لأنه حَمَّال وجوه ، والسنة لا تكفي لأن رواتها مختلفون ومفسروها أكثر اختلافاً ، بل لا بد من تعيين أئمة معصومين بعد النبي صلى الله عليه و آله ليكونوا قدوات للناس ، يشرحون لهم معرفة الله تعالى في النظرية ، ويجسدونها التطبيق !
فلم يترك عز وجل أمر معرفته وعبادته مجملاً عائماً ، ولا أوكله إلى اجتهاد الناس وظنونهم ، بل أمر نبيه صلى الله عليه و آله فأخبر الأمة أن الله جعل لها قدوات بعده اثني عشر ربانياً من عترته عليهم السلام وأمرها باتِّباعهم .
لكن قريشاً سارعت إلى أخذ خلافة النبي صلى الله عليه و آله وعزلت عترته ، وحجبتهم عن الناس ، فلم تعرف الشعوب الجديدة أن إمامة العترة النبوية عليهم السلام جزءٌ لا يتجزأ من الإسلام ، وأن الله تعالى جعل معرفته وعبادته عن طريقهم حتى لا يختلف الناس ويقعوا في الضلال .
إن القليل من الناس من شعوب البلاد المفتوحة استطاع أن يعرف عقيدة الإمامة ، من بعض الصحابة الذين كانوا يبلغونها على تخوف ، لأنها تعني تخوين النظام واتهام قسم من الصحابة بغصب الخلافة !
وفي غياب خط أهل البيت عليهم السلام كثرت اجتهادات الناس في معرفة الله تعالى وعبادته ، خاصة من مثقفي البلاد الذين يعتبرون أنهم أكثر حضارة ومدنية من العرب ، وأنهم إن فهموا لغتهم فهم أقدر منهم على فهم نصوص الدين الذي نزل عليهم ، وفهم أغراضه وأهدافه !
ولذلك برز وُعَّاظٌ وعُبَّادٌ وقراءٌ ومُنَظِّرُون لمعرفة الله وعبادته كلهم من الشعوب غير العربية ، وكان مستواهم الذهني متفوقاً على غيرهم فاتبعهم العرب أتباع الخلافة ، وجعلوهم مشايخ طرق صوفية !