نص الشبهة:
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى في الحكايةعن شعيب عليه السلام: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ...﴾ والشيءلا يعطف على نفسه لا سيما بالحرف الذي يقتضي التراخي والمهلة وهو ﴿... ثُمَّ ...﴾ وإذاكان الاستغفار هو التوبة فما وجه هذا الكلام؟
الجواب:
قلنا في هذه الآية وجوه:
أولها: أن يكون المعنى اجعلوا المغفرة غرضكموقصدكم الذي فيه تجئرون ونحوه يتوجهون، ثم توصلوا إليها بالتوبة إليه، فالمغفرة أولفي الطلب وآخر في السبب.
وثانيها: أنه لا يمتنع أن يريد بقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوارَبَّكُمْ ...﴾ 1 أي اسألوه التوفيق للمغفرة والمعونة عليها ثم توبوا إليه، لأن المسألةللتوفيق ينبغي أن يكون قبل التوبة.
وثالثها: أنه أراد بثم الواو، والمعنى استغفرواربكم وتوبوا إليه، وهذان الحرفان قد يتداخلان فيقوم أحدهما مقام الآخرة.
و رابعها: أن يريد استغفروه قولا ونطقاثم توبوا إليه لتكونوا بالتوبة فاعلين لما يسقط العقاب عنده.
و خامسها: أنه خاطب المشركين بالله تعالىفقال لهم: استغفروه من الشرك بمفارقته ثم توبوا إليه، أي ارجعوا إلى الله تعالى بالطاعاتوأفعال الخير، لأن الانتفاع بذلك. لأن ذلك لا يكون إلا بتقديم الاستغفار من الشرك ومفارقته.والتائب والآئب والنايب والمنيب بمعنى واحد.
وسادسها: ما أومى إليه أبو علي الجبائيفي تفسير هذه الآية لأنه قال أراد بقوله ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواإِلَيْهِ ...﴾ 1 أي أقيموا على التوبة إليه، لأن التائب إلى الله تعالى من ذنوبه يجبأن يكون تائبا إلى الله في كل وقت يذكر فيه ذنوبه بعد توبته الأولى، لأنه يجب أن يكونمقيما على الندم على ذلك، وعلى العزم على أن لا يعود إلى مثله. لأنه لو نقض هذا العزملكان عازما على العود، وذلك لا يجوز. وكذلك لو نقض الندم لكان راضيا بالمعصية مسرورابها وهذا لا يجوز.
وقد حكينا ألفاظه بأعيانها، حمله على هذاالوجه أنه أراد التكرار والتأكيد والأمر بالتوبة بعد التوبة. كما يقول أحدنا لغيره:" اضرب زيدا ثم اضربه " "وافعل هذا ثم افعل".
وهذا الذي حكينا عن أبي علي أولى مما ذكرهفي صدر هذه السورة، لأنه قال هناك وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، أن معناه استغفرواربكم من ذنوبكم السالفة ثم توبوا إليه بعد ذلك من كل ذنب يكون منكم أو معصية، وهذاليس بشيء، لأنه إذا حمل الاستغفار المذكور في الآية على التوبة فلا معنى لتخصيصه بماسلف دون ما يأتي، لأن التوبة من ذلك أجمع واجبة، ولا معنى أيضا لتخصيص قوله ثم توبواإليه بالمعاصي المستقبلة دون الماضية، لأن الماضي والمستقبل مما يجب التوبة منه. فالذيحكيناه أو لا عنه أشفى وأولى 2.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. a. b.القران الكريم: سورة هود (11)، الآية: 90، الصفحة: 232.
2. تنزيه الأنبياء عليهم السلام للسيد مرتضىعلم الهدى دار الأضواء : 96 ـ 97 .