لما ولي الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السَّلام) أمور المسلمين، حاول أن يزيل البدع التي أدخلت في الدين، ومنها صلاة التراويح.
يقول ابن أبي الحديد المعتزلي: وقد روي أن أمير المؤمنين (عليه السَّلام) لما اجتمعوا إليه بالكوفة، فسألوه أن ينصب لهم إماماً يصلي بهم نافلة شهر رمضان ـ أي التراويح ـ، زجرهم وعرّفهم أن ذلك خلاف السنة، فتركوه واجتمعوا لأنفسهم، وقدموا بعضهم، فبعث إليهم ابنه الحسن (عليه السَّلام)، فدخل عليهم المسجد، ومعه الدرة 1، فلما رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا: وا عمراه 2.
وَ رَوى عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السَّلام) " ... إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) يَقُولُ:
كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبَسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ وَ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ ، يَجْرِي النَّاسُ عَلَيْهَا وَ يَتَّخِذُونَهَا سُنَّةً ، فَإِذَا غُيِّرَ مِنْهَا شَيْ‏ءٌ قِيلَ قَدْ غُيِّرَتِ السُّنَّةُ ، وَ قَدْ أَتَى النَّاسُ مُنْكَراً ، ثُمَّ تَشْتَدُّ الْبَلِيَّةُ ، وَ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ ، وَ تَدُقُّهُمُ الْفِتْنَةُ كَمَا تَدُقُّ النَّارُ الْحَطَبَ ، وَ كَمَا تَدُقُّ الرَّحَى بِثِفَالِهَا ، وَ يَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ ، وَ يَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ الْعَمَلِ ، وَ يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِأَعْمَالِ الْآخِرَةِ.
ثُمَّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ وَ حَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ خَاصَّتِهِ وَ شِيعَتِهِ فَقَالَ:
قَدْ عَمِلَتِ الْوُلَاةُ قَبْلِي أَعْمَالًا خَالَفُوا فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) مُتَعَمِّدِينَ لِخِلَافِهِ ، نَاقِضِينَ لِعَهْدِهِ ، مُغَيِّرِينِ لِسُنَّتِهِ ، وَ لَوْ حَمَلْتُ النَّاسَ عَلَى تَرْكِهَا وَ حَوَّلْتُهَا إِلَى مَوَاضِعِهَا ، وَ إِلَى مَا كَانَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) لَتَفَرَّقَ عَنِّي جُنْدِي حَتَّى أَبْقَى وَحْدِي ، أَوْ قَلِيلٌ مِنْ شِيعَتِيَ الَّذِينَ عَرَفُوا فَضْلِي وَ فَرْضَ إِمَامَتِي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ، وَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) .
أَ رَأَيْتُمْ لَوْ أَمَرْتُ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ( عليه السَّلام ) فَرَدَدْتُهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) ، وَ رَدَدْتُ فَدَكاً إِلَى وَرَثَةِ فَاطِمَةَ ( عليها السلام ) ، وَ رَدَدْتُ صَاعَ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) كَمَا كَانَ ، وَ أَمْضَيْتُ قَطَائِعَ أَقْطَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) لِأَقْوَامٍ لَمْ تُمْضَ لَهُمْ وَ لَمْ تُنْفَذْ ، وَ رَدَدْتُ دَارَ جَعْفَرٍ إِلَى وَرَثَتِهِ وَ هَدَمْتُهَا مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَ رَدَدْتُ قَضَايَا مِنَ الْجَوْرِ قُضِيَ بِهَا ، وَ نَزَعْتُ نِسَاءً تَحْتَ رِجَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ فَرَدَدْتُهُنَّ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ ، وَ اسْتَقْبَلْتُ بِهِنَّ الْحُكْمَ فِي الْفُرُوجِ وَ الْأَحْكَامِ ، وَ سَبَيْتُ ذَرَارِيَّ بَنِي تَغْلِبَ ، وَ رَدَدْتُ مَا قُسِمَ مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ ، وَ مَحَوْتُ دَوَاوِينَ الْعَطَايَا وَ أَعْطَيْتُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) يُعْطِي بِالسَّوِيَّةِ وَ لَمْ أَجْعَلْهَا دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ ، وَ أَلْقَيْتُ الْمَسَاحَةَ ، وَ سَوَّيْتُ بَيْنَ الْمَنَاكِحِ ، وَ أَنْفَذْتُ خُمُسَ الرَّسُولِ كَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ فَرَضَهُ ، وَ رَدَدْتُ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، وَ سَدَدْتُ مَا فُتِحَ فِيهِ مِنَ الْأَبْوَابِ ، وَ فَتَحْتُ مَا سُدَّ مِنْهُ ، وَ حَرَّمْتُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَ حَدَدْتُ عَلَى النَّبِيذِ ، وَ أَمَرْتُ بِإِحْلَالِ الْمُتْعَتَيْنِ ، وَ أَمَرْتُ بِالتَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ ، وَ أَلْزَمْتُ النَّاسَ الْجَهْرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَ أَخْرَجْتُ مَنْ أُدْخِلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) فِي مَسْجِدِهِ مِمَّنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) أَخْرَجَهُ ، وَ أَدْخَلْتُ مَنْ أُخْرِجَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) مِمَّنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) أَدْخَلَهُ ، وَ حَمَلْتُ النَّاسَ عَلَى حُكْمِ الْقُرْآنِ وَ عَلَى الطَّلَاقِ عَلَى السُّنَّةِ ، وَ أَخَذْتُ الصَّدَقَاتِ عَلَى أَصْنَافِهَا وَ حُدُودِهَا ، وَ رَدَدْتُ الْوُضُوءَ وَ الْغُسْلَ وَ الصَّلَاةَ إِلَى مَوَاقِيتِهَا وَ شَرَائِعِهَا وَ مَوَاضِعِهَا ، وَ رَدَدْتُ أَهْلَ نَجْرَانَ إِلَى مَوَاضِعِهِمْ ، وَ رَدَدْتُ سَبَايَا فَارِسَ وَ سَائِرِ الْأُمَمِ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه و آله ) ، إِذاً لَتَفَرَّقُوا عَنِّي .
وَ اللَّهِ لَقَدْ أَمَرْتُ النَّاسَ أَنْ لَا يَجْتَمِعُوا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَّا فِي فَرِيضَةٍ ، وَ أَعْلَمْتُهُمْ أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ فِي النَّوَافِلِ بِدْعَةٌ ، فَتَنَادَى بَعْضُ أَهْلِ عَسْكَرِي مِمَّنْ يُقَاتِلُ مَعِي يَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ غُيِّرَتْ سُنَّةُ عُمَرَ ، يَنْهَانَا عَنِ الصَّلَاةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ تَطَوُّعاً ، وَ لَقَدْ خِفْتُ أَنْ يَثُورُوا فِي نَاحِيَةِ جَانِبِ عَسْكَرِي ، مَا لَقِيتُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الْفُرْقَةِ وَ طَاعَةِ أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَ الدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ ، وَ أَعْطَيْتُ مِنْ ذَلِكَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ : ﴿ ... إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ... ﴾ 3 ، فَنَحْنُ وَ اللَّهِ عَنَى بِذِي الْقُرْبَى الَّذِي قَرَنَنَا اللَّهُ بِنَفْسِهِ وَ بِرَسُولِهِ ( صلى الله عليه و آله ) ، فَقَالَ تَعَالَى : ﴿ ... فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... ﴾ 4 فِينَا خَاصَّةً ، ﴿ ... كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ ... ﴾ 4 ، فِي ظُلْمِ آلِ مُحَمَّدٍ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لِمَنْ ظَلَمَهُمْ رَحْمَةً مِنْهُ لَنَا وَ غِنًى أَغْنَانَا اللَّهُ بِهِ وَ وَصَّى بِهِ نَبِيَّهُ ( صلى الله عليه و آله ) ، وَ لَمْ يَجْعَلْ لَنَا فِي سَهْمِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً أَكْرَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ ( صلى الله عليه و آله ) ، وَ أَكْرَمَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَنْ يُطْعِمَنَا مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ ، فَكَذَّبُوا اللَّهَ وَ كَذَّبُوا رَسُولَهُ ، وَ جَحَدُوا كِتَابَ اللَّهِ النَّاطِقَ بِحَقِّنَا ، وَ مَنَعُونَا فَرْضاً فَرَضَهُ اللَّهُ لَنَا ، مَا لَقِيَ أَهْلُ بَيْتِ نَبِيٍّ مِنْ أُمَّتِهِ مَا لَقِينَا بَعْدَ نَبِيِّنَا ( صلى الله عليه و آله ) ، وَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا ، وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ " 5 .
1. الدِرة بالكسر : التي يضرب بها ، و الجمع دِرَر مثل سدرة و سدر ، مجمع البحرين : 3 / 301 .
2. راجع : شرح نهج البلاغة : 12 / 283 .
3. القران الكريم : سورة الأنفال ( 8 ) ، الآية : 41 ، الصفحة : 182 .
4. a. b. القران الكريم : سورة الحشر ( 59 ) ، الآية : 7 ، الصفحة : 546 .
5. الكافي : 8 / 58 ، للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكُليني ، المُلَقَّب بثقة الإسلام ، المتوفى سنة : 329 هجرية ، طبعة دار الكتب الإسلامية ، سنة : 1365 هجرية / شمسية ، طهران / إيران .