روايات الشيعة تأمر بالصبر على المصائب، فلماذا يقوم الشيعة أيّام العزاء بالعمل على خلاف ما جاء في كتبهم؟
نص الشبهة:
جاءت في كتب الشيعة روايات تأمر بالصبر على المصائب وتحض على الابتعاد عن كلّ أنواع السخط وعدم الرضا بقضاء الله واجتناب لطم الوجه وأمثال ذلك . إذا كان الأمر هكذا ، فلماذا يقوم الشيعة أيّام العزاء بالعمل على خلاف ما جاء في كتبهم من أحاديث ؟
الجواب:
يجب التمييز بين البكاء على الأهل والأحباب الذين يفقدهم الإنسان بسبب الموت ، وهذا النوع من البكاء ينسجم مع الفطرة الإنسانيّة ، وبين البكاء المصحوب بشقّ الثياب ولطم الوجوه . والنوع الأوّل من البكاء هو ما عمل به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابه ، حيث إنّه عندما توفّي ولده إبراهيم بكى عليه وقال : « وإنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون ، تبكي العين ويحزن القلب ولا نقول ما يُسخط الربّ عزّ وجلّ » 1 .
وورد أنّه لمّا أُصيب حمزة ( رضي الله عنه ) جاءت صفيّة بنت عبد المطّلب تطلبه فحالت بينها وبينه الأنصار ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : دعوها ، فجلست عنده ، فجعلت إذا بكت بكى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وإذا نشجت نشج ، وكانت فاطمة ( عليها السلام ) تبكي ورسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كلّما بكت بكى ، وقال : « لن أُصاب بمثلك أبداً » 2 .
وعن أنس قال : لمّا ثقل النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) جعل يتغشّاه ، فقالت فاطمة : واكرباه لكربك يا أبتاه ، فقال لها : « ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم » ، فلمّا مات قالت : « يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه ، يا أبتاه من جنّة الفردوس مأواه ، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه » ، فلمّا دُفن قالت فاطمة ( عليها السلام ) : « يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) التراب » 3 .
نجد في التاريخ الإسلامي أنّ البكاء على الأموات كان أمراً طبيعيّاً بين الصحابة والتابعين بالشكل الذي لا يسمح لنا اليوم بإنكاره ، وبكاء الشيخين أبي بكر وعمر على أحبابهم يعدّ أمراً مسلماً ذكره التاريخ في عدّة مواقف 4 .
تقول عائشة : عندما توفّي النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدِمُ مع النساء وأضرب وجهي 5 .
إنّ إقامة العزاء على الأحبّة والبكاء عليهم أمر ينبع من الفطرة الإنسانيّة السليمة ، وهي على الأنبياء والمرسلين والأشخاص المهمّين أولى وأجدر ، فالتاريخ يذكر :
أنّه لمّا رجع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من أُحد سمع نساء الأنصار يبكين ، فقال : « لكن حمزة لا بواكيَ له » ، فبلغ ذلك نساء الأنصار فبكين حمزة 6 .
وعن أُسامة بن زيد أنّ ابنةً لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أرسلت إليه وأنا معه وسعد وأحسب أُبيّاً ، أنّ ابني أو ابنتي قد حُضر فأشهدنا ، فأرسل يقرئ السلام ، فقال : « قل لله ما أخذ وما أعطى ، وكلّ شيء عنده إلى أجل » فأرسلتْ تُقسم عليه ، فأتاها فوُضع الصبيّ في حِجر رسول الله ونفسه تقعقع ، ففاضت عينا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال له سعد : ما هذا [ يا رسول الله ] ؟ قال : « إنّها رحمة ، وضعها الله في قلوب مَنْ يشاء ، وإنّما يرحم الله من عباده الرُّحماء » 7 .
أمّا بالنسبة لموت الشخصيّات العظيمة من القادة الإلهيّين فله شأنٌ آخر يُحسب له حساب كبير يتلاءم مع مكانتهم ومنزلتهم . وإقامة العزاء والحُزن عليهم ليس معناه الجزع على فقدهم ، بل هو نوع من الدفاع عن منهجهم والدعوة إلى السير على طريقهم وتحقيق أهدافهم ، فهم كانوا الحُماة الحقيقيّين عن الإسلام والمدافعين عنه ، ولم يهادنوا الظالمين أبداً من أمثال الأمويّين والعبّاسيّين حتّى غرفوا من كأس الشهادة . فمراسم الحزن ومجالس العزاء عليهم تهدف إلى إحياء منهجهم . وكلّ نوع من أنواع النوح والندب واللّطم عليهم وغيرها من مظاهر الحزن يُصبّ في هذا الاتّجاه ، حتّى لا تقع الأُمّة مرّةً أُخرى تحت ظلم الظالمين ولا تستسلم لبطشهم ; لأنّ الموت الأحمر خيرٌ من الحياة السوداء .
والنتيجة التي يمكن استخلاصها في هذا الصدد هي :
1 ـ إنّ إقامة العزاء على الأحبّة وذرف الدموع والبكاء عليهم هو نوع من الرحمة الإلهيّة ، التي تحكي عن الكمال الإنساني ، في مقابل القسوة التي تُصيب بعض القلوب فلا تبقي أثراً لتلك الرحمة بين الناس .
2 ـ الخروج في مجموعات ومسيرات وإقامة العزاء وإبراز مظاهر الحزن لأجل إحياء المذهب هو أمرٌ مطلوب ، وهو مورد مدح وثناء فضلاً عن أن يكون مورد نهي وتحريم .
3 ـ التظاهرات التي يقوم بها الشيعة أيّام تاسوعاء وعاشوراء وبعض الأيّام الأُخرى ، هي تظاهرات ذات طابع سياسي ; الهدف منها محاكمة بني أُميّة وفضحهم أمام كلّ من يحبّهم ويعتقد بولائهم ، وتجسيد لمظلوميّة أهل البيت ( عليهم السلام ) أمام الرأي العام العالمي . فاللطم والندب والصياح لغاية إلفات نظر الناس إلى تلك الوقائع المرّة الّتي يريد الظالمون إسدال الستار عليها فربّما لا يكون اللطم نابعاً عن الحزن فقط بل نابعاً عن الرغبة الشديدة في محاكمة الظالمين ـ الأمويين والعبّاسيين ـ في محكمة التاريخ فما ورد في اللطم لا يشمل هذه المظاهرات وإنّما هو راجع إلى المصائب الفردية .
4 ـ إنّ المخالفين لإقامة هذه المظاهر هم في الحقيقة يخافون من انتشار فكر أهل البيت ( عليهم السلام ) عن طريق إعلان مظلوميّتهم ومعاناتهم على يد الظلمة ، فقاموا بالبحث عن طرق وأساليب تمنع الشيعة من إقامة تلك المظاهر ، معتمدين في ذلك على روايات من مصادر شيعيّة . وفي الحقيقة أنّهم يهدفون من عملهم هذا التغطية على ظلم بني أُميّة وتبرير أعمالهم المنافية للإسلام ، وإبعاد الناس عن أهل البيت ( عليهم السلام ) ، إلاّ أنّ المطّلع على المذهب الشيعي يعرف أنّه لا يوجد عالم من علمائه يجوِّز ما ادّعوه من أعمال تخالف الأوامر الإلهيّة ، وكلّ عمل كذلك فالمذهب منه بريء وإن ارتكبه بعض الناس افراطاً منهم في الحب 8 .
1. مجمع الزوائد : 3 / 17 .
2. إمتاع الأسماع للمقريزي : 154 .
3. صحيح البخاري: 5 / 144 ، باب مرض النبيّ ووفاته ; مسند أبي داود : 272; سنن النسائي : 4 / 13 ، مستدرك الحاكم : 1 / 382 ; تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : 6 / 259 .
4. راجع كتاب: بحوث قرآنية في حدود التوحيد والشرك : 195 ـ 201 .
5. تاريخ الطبري : 2 / 441 .
6. مجمع الزوائد : 6 / 120 « يقال إنّ ذلك كان قبل بكاء صفيّة على حمزة » .
7. سنن أبي داود : 2 / 64، برقم 3125 ; مسند أبي داود الطيالسي: 235 .
8. هذه الإجابة نُشرت على الموقع الالكتروني الرسمي لسماحة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني دامت بركاته .