تميَّزت المدرسة الفقهية لدى الشيعة الإماميةالإثنا عشرية عن غيرها من المدارس الفقهية للمذاهب الإسلامية بترك باب الاجتهاد و استنباطالأحكام الشرعية مفتوحاً أمام علمائها و فقهائها على مرِّ العصور ، مما جعل الفقه الإماميموافقاً لحاجة العصر و متماشياً مع متطلبات الحياة ، و قادراً على حل المعضلات و المشاكل، و تقديم الحلول الناجعة لها .
أما المدارس الفقهية التابعة للمذاهب الإسلاميةالاخرى ـ و مع الأسف ـ فقد أغلقت باب الاجتهاد المطلق في وجه علمائها و فقهائها 1 ،و أنحصر اجتهادهم في إطار المذاهب الأربعة 2 خاصة ، و هو بلا شك تقييد لعملية الاجتهاد، و تضييق لدائرته 3 .
يقول العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين( رضوان الله تعالى عليه ) و هو ينتقد سدّ باب الاجتهاد و الاقتصار على رأي أئمة المذاهبالأربعة :
" و ما الذي أرتج باب الاجتهاد فيوجوه المسلمين بعد أن كان في القرون الثلاثة مفتوحاً على مصراعيه ؟ لولا الخلود إلىالعجز و الاطمئنان إلى الكسل و الرضا بالحرمان ، و القناعة بالجهل ، و من ذا الذي يرضىلنفسه أن يكون ـ من حيث يشعر أو لا يشعر ـ قائلاً بأن الله عَزَّ و جَلَّ لم يبعث أفضلأنبيائه و رسله بأفضل أديانه و شرائعه ، و لم ينزّل عليه أفضل كتبه و صحفه ، بأفضلحكمه و نواميسه ، و لم يكمل له الدين ، و لم يتم عليه نعمته ، و لم يعلّمه علم ما كانو علم ما بقي ، إلا لينتهي الأمر في ذلك إلى أئمة تلك المذاهب فيحتكروه لأنفسهم ، ويمنعوا من الوصول إلى شيء منه عن طريق غيرهم ، حتى كأن الدين الإسلامي بكتابه و سنته، و سائر بيّناته و أدلته من أملاكهم الخاصة و أنهم لم يبيحوا التصرف به على من علىغير رأيهم ، فهل كانوا ورثة الأنبياء ، أم هل خَتم الله بهم الأوصياء و الأئمة ، وعلّمهم علم ما كان و علم ما بقي ، و آتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين ، كلا بل كانواكغيرهم من أعلام العلم و رعاته ، و سدنته و دعاته ، و حاشا دعاة العلم أن يُوصدوا بابه، أو يصدُّوا عن سبيله ، و ما كانوا ليعتقلوا العقول و الأفهام و لا ليسلموا أنظارالأنام ، و لا ليجعلوا على القلوب أكنة ، و على الأسماع وقراً ، و على الأبصار غشاوة، و على الأفواه كمامات ، و في الأيدي و الأعناق أغلالاً ، و في الأرجل قيوداً ، لاينسب ذلك إليهم إلا من إفترى عليهم ، و تلك أقوالهم تشهد بما نقول " 4 .
أما الشيعة الإمامية الإثنا عشرية أتباعمدرسة أهل البيت ( عليهم السَّلام ) فهم طبعاً لا يريدون بالاجتهاد التوسع على حسابالحكم الشرعي بما يلائم مستجدات العصر و تطور الزمن ، أو إرضاءً لعامة الناس ، أو للملوكو الحكام و غيرهم من أهل النفوذ أو لغير ذلك .
بل السبب في فتح باب الاجتهاد عندهم يعودإلى أن الشيعة الإمامية ترى أن الشريعة الإسلامية حيث أنها شريعة سماوية كاملة ، وإذ لا شريعة بعدها قَط ، و جب أن تُلبِّي كلّ الحاجات البشرية في مختلف مجالات حياتهاالفردية و الاجتماعية ، هذا من جانب .
و من جانب آخر حيث أن الحوادث و الوقائعلا تنحصر فيما كانت في زمن الرسول ( صلَّى الله عليه و آله ) فالتطورات المتلاحقة فيالحياة تطرح احتياجات و حالات جديدة ، تحتاج كل و احدة منها طبعا إلى حكم شرعي خاص، انطلاقاً من أن لله حكم في كل واقعة .
و بالنظر إلى ما تقدم يكون فتح باب الاجتهادفي وجه الفقهاء على طول التاريخ أمراً ضرورياً ، إذ هل يمكن أن يكون الإسلام الذي هوشريعة إلهية كاملة و دين جامع أن لا يكون له رأي في الحوادث الجديدة ، و هل يمكن أنيترك البشرية حائرةً في منعطفات التاريخ و الحياة ، أمام هذه الحوادث الجديدة .
يقول الدكتور حامد حفني داود منتقداً سدباب الاجتهاد لدى المدارس الفقهية السنية ، و ممتدحاً المدرسة الفقهية الشيعية بتركهاباب الاجتهاد مفتوحاً :
" أما علماء الشيعة الإمامية فإنهميُبيحون لأنفسهم الإجتهاد في جميع صوره ، و يصرّون عليه كل إصرار ، و لا يقفلون بابهدون علمائهم في أي قرن من القرون حتى يومنا هذا .
و أكثر من ذلك نراهم يفترضون بل يشترطونوجود " المجتهد المعاصر " بين ظهرانيهم و يوجبون على الشيعة إتباعه رأساًدون من مات من المجتهدين ، مادام هذا المجتهد المعاصر استمد مقومات إجتهاده ـ أصولهاو فروعها ـ ممن سلفه من المجتهدين و ورثها عن الأئمة كابراً عن كابر .
و ليس هذا غاية ما يلفت نظري أو يستهويفؤادي في قولهم بالإجتهاد ، و إنما الجميل و الجديد في هذه المسألة أن الاجتهاد علىهذا النحو الذي نقرأه عنهم يساير سُنن الحياة و تطورها ، و يجعل النصوص الشرعية حيّةمتحركة ، نامية متطورة ، تتمشى مع نواميس الزمان و المكان ، فلا تجمد ذلك الجمود الممضدالذي يباعد بين الدين و الدنيا ، أو بين العقيدة و التطور العلمي ، و هو الأمر الذينشاهده في أكثر المذاهب التي تخالفهم .
و لعل ما نلاحظه من كثرة عارمة في مؤلفاتالإمامية و تضخّم مطرد في مكتبة التشيع راجع ـ في نظرنا ـ إلى فتح باب الاجتهاد علىمصراعيه " 5 .
و من هنا فإن إجتهاد علماء الشيعة الإماميةالإثنا عشرية إجتهاد حيٌ متحرك ، و قد أنتج هذا الاجتهاد فقهاً جامعاً منسجماً مع الاحتياجاتالبشرية المختلفة المتنوعة المتطورة و المتزايدة باستمرار ، و خلّف كنزاً علمياً عظيماً.
ثم أن ما ساعد على إثراء الفقه الشيعي العميقالمتحرك هو المنع من تقليد الميت ، و الحكم بتقليد المجتهد الحي ، العارف بالزمان ومتطلباته و بالمجتمع و احتياجاته و مستجداته .
إذن فحق لهذه الطائفة أن ترفع رأسها فخراًو اعتزازاً بمحافظتها على أحكام الله تعالى ، و اهتمامها بأخذ هذه الأحكام من منابعالتشريع الأصيلة ، و صمودها في ذلك متحدية أعاصير الزمن ، و ظلمات الفتن ، على طولالمدة و شدة المحنة .
كل ذلك بفضل علمائها المخلصين الذين لاتأخذهم في الله تعالى لومة لائم ، و أتباعهم المؤمنين الذين لا يأخذون دينهم إلا ممنهو أهل للأمانة في دينه و ورعه و قدسيته ، رافضين غيرهم ممن لا يتحلى بالأمانة و الورع، و لا يبالي في أي وادٍ سلك ، قد تورط في الشبهة ، و وضع نفسه في مواضع التهمة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. الاجتهاد في اللغة مأخوذ من " الجُهد" بمعنى الطاقة ، و من " الجَهد " بمعنى المشقة ، إذن فالمعنى اللغويللاجتهاد هو بذل الوسع و الطاقة و القيام بعمل ما مع المشقة .
أما معنى الاجتهاد المصطلح في الحال الحاضرعند علماء الفقه و الأصول ، فهو بذل الجهد الوافر لتحصيل الظن الشرعي بالأحكام الشرعيةالفرعية من منابعها الأصيلة .
و الاجتهاد درجة رفيعة لا ينالها إلا ذوحظ عظيم ، و هو بحاجة إلى كثير من المعارف و العلوم التي لا تتهيأ إلا لمن جدّ و اجتهدو بذل وسعه لتحصيلها .
و الاجتهاد واجب كفائي على جميع المسلمينفي زمن غيبة الإمام ( عليه السلام ) بمعنى أنه لو لم يوجد مجتهداً في زمان ما يجب علىالجميع السعي وراء تحصيل رتبة الاجتهاد ، حتى يحصل من يحقق بجهوده و توفيق الله تعالىالوصول إلى هذه الرتبة عندها يرتفع الوجوب و يسقط التكليف .
2. المذاهب الأربعة هي كالتالي :
1. المذهب الحنفي ، المنسوب لأبي حنيفةالنعمان بن ثابت بن زوطي ، المولود سنة : 80 هجرية ، و المتوفى سنة : 150 هجرية .
2. المذهب المالكي ، المنسوب لمالك بن أنسبن مالك بن أبي عامر ، المتولد سنة : 95 هجرية ، و المتوفى سنة : 179 هجرية .
3. المذهب الشافعي ، المنسوب لأبي عبد اللهمحمد بن إدريس الشافعي ، المولود سنة : 150 هجرية ، و المتوفى سنة : 204 هجرية .
4. المذهب الحنبلي ، المنسوب لأحمد بن حنبلبن هلال بن أسد ، المولود سنة : 164 هجرية ، والمتوفى سنة : 241 هجرية .
أما حصر المذاهب الإسلامية بصورة رسميةفي أربعة رغم وجود غيرها من المذاهب ، فسببه يعود إلى زمن العباسيين حيث اختلفت الآراءو تفرقت الأهواء ، بحيث لم يمكن ضبطها حتى لجأوا إلى تقليلها ، فاتفقت كلمة رؤسائهمعلى حصر المذاهب في أربعة ، و كان ذلك في زمن القادر بالله العباسي ، فأخذ من كل منالطوائف الأربعة مالاً خطيراً ، و أبدى رسمية تلك المذاهب ، هذا و أن السيد المرتضى( رحمه الله ) عندما أقدم على أخذ رسمية المذهب الجعفري من الخليفة ، طالبه الخليفةبمائة ألف دينار من الذهب ، و لأن الشيعة لم تقدر على الوفاء ، أو لم يريدوا أخذ رسميةمذهبهم بالمال انحصرت المذاهب الرسمية على المذهب الحنفي و المالكي و الشافعي و الحنبلي، و حذا حذو القادر بالله العباسي ، الملك الظاهر بيبرس البندقداري أمير مصر سنة :665 هجرية فلم يكن يقبل قضاء غير قضاة المذاهب الأربعة المذكورة ، و كان المتمذهب بغيرهايعادى و ينكر و لا تقبل شهادته ، و لا يقدم للخطابة و الإمامة و التدريس . لمزيد منالتفصيل يراجع : الخطط للمقريزي : 4 / 161 ، و الإبداع : 308 ، و تتمة المنتهى : حوادثسنة 436 هجرية ، و كتاب الإمام الصادق و المذاهب الأربعة .
3. الخطط للمقريزي : 2 / 344 .
4. المراجعات : 14 ، طبعة دار المرتضى.
5. الدكتور حامد حفني داود ، أستاذ الأدبالعربي سابقاً بكلية الألسن بالقاهرة و المُشرف على الدراسات الإسلامية بجامعة ( عليكرة) في الهند ، مقدمة كتاب عقائد الإمامية : 18 .