المؤلف : غالب حسن
الكتاب أو المصدر : نظرية العلم في القرآن ومدخل جديد للتفسير
الجزء والصفحة : ص185-186.



قال تعالى : {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [البقرة : 31]
كان آدم عليه السلام قبل ان يستجيبه لثقل جسمه قد علمه اللّه‏ تعالى الاسماء كلها {وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ...}، ومهما كانت الطريقة الا ان العمليّة تعقد استيفاء طاقة العقل الهائلة، سواء بسبب العلم أو هذا الكم الكلي من الاسماء، فهو في هذه اللحظة تعامل مع مدى بعيد من المعرفة، الا ان هذا التعامل تضاءلت مساحته عند ما هبط الى الارض!! واذا بالعلم يتحوّل الى تلقي، وبالأسماء كلها تتنزل الى بعض (كلمات)، كما يتجلى من لغة التجربة {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ‏}. وليس من شك ان الفاصل هائل وجسيم بين الحالتين.
وكان لا بدّ ان يكون هناك علم في الجنة بفعل التحدي من الملائكة، وكان لا بدّ ان يكون هناك بعض علم على الارض، حتى يتولى آدم تكميل ذاته بذاته، فهذه الكلمات مفتاح فيما الاسماء كلها حقائق تستوعب عقل آدم على مشارف المستقبل القريب والبعيد، من أنّ تجربة آدم في الجنّة الهيّة صرفة، من النشأة الى التربية الى التزود بالعلم، فيما هي في محنة الهبوط تجربة بشرية رغم ان مفاتيحها الاولى إلهيّة. وليس من ريب ان نتائج التلقي في المرحلة الثانية اشرف قيمة من كل ذلك العلم المكين في المرحلة الاولى، واستنبات الكلمات في محيط الهبوط على شكل إرادة ثم مسيرة أجلّ واقدس من تكلم الاسماء في محيط الطهر اللاارادي. ان العلم الاول دائرة مغلقة، أبهة، جلال، أمّا التلقي فرغم مبدأيته وسذاجته الّا انه تام زاك، انه مبدأ الملحمة التاريخية.
العلم بالاسماء نقص في صورة كماله، أمّا تلقي الكلمات فهو كمال في صورة نقص، وأجزم ان آدم نسى تكلم الاسماء فيما تفاعل وتعايش مع الكلمات.
قالوا: ان الاسماء هي اللغات، ان الاسماء هي منافع الاشياء. ان الاسماء هي منابع الاشياء. ان الاسماء هي اسماء الانبياء والأئمة. ولكن كيف‏ يخفي ذلك على الملائكة الذين هم واسطة التدبير بين العرش والوجود؟
فالاسماء كما يظهر لي علم خاص جدا، مبهم، غامض، خاف، مجاله العصر اللاارادي والبيئة التي تتحكم فيها الاطلاقات الى حدّ ما، أمّا الكلمات فهي علم الارض او مفتاح الفكر الارضي في رسالته النبويّة المقدسة. إنّ آدم نسي الأسماء وتشبّث بالكلمات!! العلم بالأسماء كان للتباهي والتحدي، العلم بالكلمات كان للتعاطي والعمل.
هبط آدم عليه السلام لتبدأ ملحمة الكلمة، انقطع تماما عن علم الأسماء، لأنّ الزمان غير الزمان والمكان غير المكان: انه الزمن المتضاد والمكان المتنافي، فيحتاج الى فكر حي يشتغل بروحه ويستوعب العثرة والخطيئة ليؤسس منهما الحاضر المتوهج والمستقبل الثائر، لقد كان علم الاسماء حذرا، فيما علم الكلمة حركة رغم بساطته وسذاجته الاولى.
وأجزم مرة اخرى ان آدم نسي علم الاسماء، ليست هناك اي علاقة بين الاسماء والكلمات، بل هناك انقطاع حاسم، فآدم الارض بدأ من هذا الشعاع البسيط الذي نشره اللّه تعالى بين يديه، وبالوقت الذي كان فيه امتدادا مهيبا، اصبح عمقا متوترا، وتحول الوهج المعرفي في داخله الى تجليات متتابعة وليس تجليا سرمديا او شبه ازلي.