المؤلف : ناصر مكارم الشيرازي
الكتاب أو المصدر : تفسير الامثل
الجزء والصفحة : ج15 ، ص369-371.




قال تعالى : {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل : 1 - 21] .
يقول الفخر الرازي : اجمع المفسّرون منّا على أنّ المراد منه (أي من قوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى } [الليل : 17] أبو بكر ، واعلم أنّ الشيعة بأسرهم ينكرون هذه الرّواية، ويقولون أنّها نزلت في حقّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) (1).
ثمّ يعرب الرازي عن وجهة نظره في هذا المجال ويقول : وإنّما قلنا إنّه لا يمكن حملها على علي بن أبي طالب لأنّه قال في صفة هذا الأتقى {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى} [الليل : 19] ، وهذا الوصف لا يصدق على علي بن أبي طالب لأنّه كان في تربية النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لأنّه أخذه من أبيه، وكان يطعمه ويسقيه ويكسوه ويربيه، وكان الرّسول منعماً عليه نعمة يجب جزاؤها، أمّا أبو بكر فلم يكن للنّبي عليه الصلاة والسلام عليه نعمة دنيوية، بل أبو بكر كان ينفق على الرّسول عليه السّلام (2).
نحن لا نتطرق عادة في هذا التّفسير لمثل هذه المسائل. لكن مثل هذه المحاولات الرامية إلى إثبات الأحكام الذهنية المسبقة بالإستناد إلى آيات قرآنية يبلغ بها الأمر أنّ تنسب إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ما لا يليق بمقامه الشامخ (3) ، ممّا يستدعينا أن نتوقف عندها قليلاً.
أوّلاً : ما يقوله الفخر الرازي بشأن إجماع أهل السنة على نزول السّورة في أبي بكر منقوض بما أورده كثير من مفسّري أهل السنة منهم القرطبي في تفسيره عن ابن عباس بشأن نزول كلّ سورة «الليل» في «أبي الدحداح» (4).
والقرطبي حين يصل إلى تفسير الآية : {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى } يعيد القول أنّ المقصود به أبو الدحداح، وهذا المفسّر يورد ما ذكره أكثر المفسّرين بشأن نزول السّورة في أبي بكر، غير أنّه لا يقبل هذا الرأي.
ثانياً : ما قيل بشأن اتفاق الشيعة على نزول الآية في علي (عليه السلام) غير صحيح أيضاً، إذ أورد كثير من مفسّري الشيعة قصّة أبي الدحداح على أنّها سبب نزول السّورة.
نعم، لقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) بأن «الاتقى» شيعة علي وأتباعه ، و(الذي يوتى ماله يتزكى) هو أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، لكن الظاهر أنّ هذه الرّوايات لا تتحدث عن سبب النزول، بل هي من قبيل ذكر المصاديق الواضحة والبارزة.
ثالثاً : «الأتقى» في السّورة ليست هنا بمعنى أتقى النّاس، بل بمعنى المتقي، والشاهد على ذلك كلمة «الأشقى» التي هي لا تعني أشقى النّاس، بل هم الكفار الذين يبخلون بأموالهم فلا ينفقونها ، أضف إلى ذلك أنّ الآية نزلت في حياة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أيصح أن يكون أبو بكر مقدّماً في التقوى على النّبي نفسه؟! لماذا نلجأ إلى إثبات أحكامنا الذهنية المسبقة إلى كل وسيلة حتى الحط من شخصية رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم).
إنّه قيل أنّ للنّبي حساباً آخر، نقول: لماذا لم يكن للنّبي حساب آخر في الآية : (وما لأحد عنده من نعمة تجزى) ؟ ففي هذه الآية يرفض الفخر الرازي أن تكون في علي ، لأنّه مشمول بنعم النّبي الدنيوية.
رابعاً : أي إنسان ليست لأحد نعمة عليه في حياته، ولم يقدم له أحد هدية أو يدعوه لضيافة؟! هل كان أبو بكر كذلك في حياته؟ ألم يستجب لضيافة أو يقبل هدية أو خدمة دنيوية طوال حياته؟! هل هذا معقول ؟ المقصود من الآية الكريمة : {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} ليس إذن أن يكون هذا الاتقى غير مشمول بأية نعمة دنيوية من أحد.
بل المقصود إن انفاقه ليس من أجل حق نعمة أغدقت عليه، أي أنّه حين ينفق، فإنّما ينفق في سبيل اللّه لا في سبيل خدمة اُسديت إليه ويريد أن يجزي عليها.
خامساً : آيات سورة الليل تنبيء أنّ السّورة نزلت في واقعة ذات قطبين : «الأتقى» و«الأشقى»، وإنّ اعتبرنا قصة أبي الدحداح سبباً للنزول، فالقطبان يتضحان، وإن قلنا إنّ الأتقى أبو بكر فيبقى السؤال عمن هو «الأشقى».
الشيعة لا يصرون على نزول الآية في علي (عليه السلام) ففي شأنه نزل كثير من القرآن، ولكن إن كان نزولها في علي، يتبيّن من جهة آُخرى من هو «الأشقى»، إذ ورد في تفسير الآية (12) من سورة الشمس : (إذ انبعث أشقاها) روايات كثيرة بطرق أهل السنة أن المقصود من الأشقى قاتل علي بن أبي طالب (عليه السلام) . (وهذه الرّوايات جمعها ـ كما ذكرنا ـ الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل).
بالاختصار، رأي الفخر الرازي في هذه الآية ضعيف غاية الضعف ومليء بالإشتباه، ولذلك رفضه الآلوسي في روح المعاني وقال : «... واستدل بذلك الإمام على أنّه (أبو بكر) أفضل الاُمّة وذكر أنّ في الآيات ما يأبى قول الشيعة أنّها في علي وأطال الكلام في ذلك وأتى بما لا يخلو عن قيل وقال»(5).
_____________________
1.التفسير الكبير ، ج31 ،ص204.
2. المصدر السابق ،ص205.
3. المدرسة الأموية كان لها أثرها بدرجة واُخرى على كثير من العلماء على مرّ التاريخ، وتقوم على أساس الحطّ من شخصية رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ونفي كلّ منقبة لعلي واله (عليهم السلام) «المترجم».
4 ـ تفسير القرطبي، ج 10، ص 718.
5. لا ننسى أنّ نذكر أنّ الآلوسي رجل متعصّب نسبياً للمدرسة الأموية ، لكنّه مع ذلك لم يوافق الفخر الرازي في رأيه . (تفسير روح المعاني ، ج30 ، ص153).