المؤلف : باقر شريف القرشي
الكتاب أو المصدر : السيدة زينب (عليها السّلام) رائدة الجهاد في الإسلام
الجزء والصفحة : ص249-251.




يوم عاشوراء من أفجع الأيام وأقساها وأشدّها محنة على العقيلة زينب (عليها السّلام) وعلى أهل البيت (عليهم السّلام) ، فلم تبقَ رزيّة من رزايا الدهر إلاّ جرت عليهم ... .
لمّا تهيّأت عساكر ابن سعد لحرب الإمام ، فرأى (عليه السّلام) من الواجب أن يعظهم ويرشدهم حتّى يكونوا على بصيرة من أمرهم ، فخطب فيهم خطاباً مؤثّراً ، وقد نشر كتاب الله العظيم ، واعتمّ بعمامة جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ولبس لامته ، فقال لهم : تبّاً لكم أيّتها الجماعة وترحاً ! حين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين ، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم ، وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم ، فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم ، بغير عدل أفشوه فيكم ، ولا أمل أصبح لكم فيهم .


مهلاً ـ لكم الويلات ! ـ تركتمونا والسيف مشيم ، والجأش طامن ، والرأي لمّا يستحصف ، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدّبا ، وتداعيتم إليها كتهافت الفراش .


فسحقاً لكم يا عبيد الاُمّة ، وشذاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ومحرّفي الكلم ، وعصبة الآثام ، ونفثة الشيطان ، ومطفئ السنن !
أهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون ؟! أجل والله غدر فيكم قديم ، وشجت إليه اُصولكم ، وتأزّرت عليه فروعكم ، فكنتم أخبث شجر شجى للناظر ، وأكلة للغاصب .


ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين ؛ بين السلّة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة ! يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت ، واُنوف حميّة ، ونفوس أبيّة من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام .


ألا وإنّي زاحف بهذه الأسرة مع قلّة العدد وخذلان الناصر . ثمّ أنشد أبيات فروة بن مسيك المرادي :


فـإن نُهزم فهزّامون قدماً ... وإن نُـغلَب فـغيرُ مغَلّبينا
ومـا إن طِـبُّنا جبنٌ ولكن ... مـنايانا ودولـةُ آخـرينا
إذا ما الموتُ رفّع عن أُناس ... كـلاكـله أنـاخَ بـآخرينا
فـأفنى ذلكم سروات قومي ... كـما أفنى القرونَ الأوّلينا
فـلو خلدَ الملوكُ إذاً خلدنا ... ولـو بقي الكرامُ إذاً بقينا
فـقل للشامتينَ بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتونَ كما لقينا


أما والله لا تلبثون بعدها إلاّ كريث ما يُركب الفرس حتّى يدور بكم دور الرحى ، وتقلق بكم قلق المحور ؛ عهد عهده إليّ أبي عن جدّي ، {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} [يونس: 71] ، {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 56] .


ورفع يديه بالدعاء على اُولئك السفكة المجرمين قائلاً : اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء ، وابعث عليهم سنين كسِنيِّ يوسف ، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسومهم كاساً مصبرةً ؛ فإنّهم كذّبونا وخذلونا ، وأنت ربّنا عليك توكّلنا وإليك أنبنا وإليك المصير .


لقد انفجر أبو الأحرار في خطابه كالبركان ، وأبدى من صلابة العزم وعزّة النفس ما لم يشاهد مثله ؛ فقد استهان بالموت ، ولا يخضع لاُولئك الأقزام الذين سوّدوا وجه التأريخ ، وكانوا سوءة عار لمجتمعهم .