المؤلف : باقر شريف القرشي
الكتاب أو المصدر : السيدة زينب (عليها السّلام) رائدة الجهاد في الإسلام
الجزء والصفحة : ص128-130.


بعدما أطاح الثوار بحكومة عثمان أحاطوا بالإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وهم يهتفون
بحياته ، ويعلنون ترشيحه لقيادة الاُمّة فليس غيره أولى وأحق بهذا المركز الخطير ، فهو ابن عمّ النبي (صلّى الله عليه وآله) وأبو سبطيه ، ومَنْ كان منه بمنزل هارون من موسى ، وهو صاحب المواقف المشهورة في نصرة الإسلام والذبّ عنه ، وليس في المسلمين مَنْ يساويه في فضائله وعلومه وعبقرياته ، إلاّ أنّ الإمام رفض دعوتهم ولم يستجب لهم ؛ لعلمه بما سيواجهه من الأزمات السياسيّة ، فإنّ منهجه في عالم الحكم يتصادم مع رغبات الاُسر القرشيّة التي تريد السيطرة على السلطة وإخضاعها لرغباتها الخاصة .
فقال (عليه السّلام) للثوار : لا حاجة لي في أمركم ، فمَنْ اخترتم رضيت به .
فهتفوا بلسان واحد : ما نختار غيرك .
وعقدت القوات المسلحة مؤتمراً خاصاً عرضت فيه ما تواجهه الاُمّة من الأخطار إن بقيت بلا إمام يدير شؤونها ، وقد قرّرت إحضار المدنيّين وإرغامهم على انتخاب إمام المسلمين ، فلمّا حضروا هدّدوهم بالتنكيل إن لم ينتخبوا إماماً وخليفة للمسلمين ، ففزعوا إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وأحاطوا به رافعين عقيرتهم : البيعة ، البيعة .
فامتنع الإمام (عليه السّلام) من إجابتهم ، فأخذوا يتضرّعون إليه قائلين : أما ترى ما نزل بالإسلام ، وما ابتلينا به من أبناء القرى ؟!
فأجابهم الإمام بالرفض الكامل قائلاً : دعوني والتمسوا غيري . ثمّ أعرب لهم الإمام (عليه السّلام) عمّا ستعانيه الاُمّة من الأزمات قائلاً : أيّها الناس ، إنّا مستقبلون أمراً له وجوه وله ألوان ، لا تقوم به القلوب ، ولا تثبت له العقول .
لقد كشف الإمام عمّا سيواجهه المسلمون من الأحداث المروّعة التي تعصف بالحلم وتميد بالصبر ، الناجمة من الحكم المباد الذي عاث فساداً في الأرض ؛ فقد أقام عثمان اُسرته حكّاماً وولاةً على الأقاليم الإسلاميّة فاستأثروا بأموال المسلمين واحتكروها لأنفسهم ، وإنّهم حتماً سيقاومون كلّ مَنْ يريد الإصلاح الاجتماعي ؛ فلذلك امتنع الإمام من إجابة القوم .
ثمّ عرض الإمام على القوات المسلحة وعلى الصحابة وغيرهم منهجه فيما إذا ولي اُمورهم قائلاً : إنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، وإن تركتموني فإنّما أنا كأحدكم ، ألا وإنّي من أسمعكم وأطوعكم لمَنْ ولّيتموه .
واستجاب الجميع لما عرضه الإمام عليهم قائلين : ما نحن بمفارقيك حتّى نبايعك .
وأجّلهم الإمام إلى الغد لينظر في الاُمور ، ولمّا أصبح الصبح هرعت الجماهير إلى الجامع الأعظم ، فأقبل الإمام (عليه السّلام) فاعتلى أعواد المنبر فخطب الناس ، وكان من جملة خطابه : أيّها الناس ، إنّ هذا أمركم ليس لأحد فيه حقّ إلاّ مَنْ أمّرتم ، وقد افترقنا بالأمس وكنت كارهاً لأمركم فأبيتم إلاّ أن أكون عليكم ، ألا وإنّه ليس لي أن آخذ درهماً دونكم ، فإن شئتم قعدت لكم ، وإلاّ فلا آخذ على أحد .
وتعالى هتاف الجماهير بالتأييد والرضا قائلين : نحن على ما فارقناك عليه بالأمس . وطفق الإمام قائلاً : اللّهمّ اشهد عليهم .
وقد اتّجهت الناس كالموج صوب الإمام لتبايعه ، وأوّل مَنْ بايعه طلحة ، فبايعه بيده الشلاّء التي سرعان ما نكث بها عهد الله ، فتطيّر منها الإمام وقال : ما أخلفه أن ينكث .
ثمّ بايعه الزبير وهو ممّن نكث بيعته ، وبايعته القوات العسكريّة ، كما بايعه مَنْ بقي من أهل بدر والمهاجرين والأنصار كافة .
ولم يظفر أحد من خلفاء المسلمين بمثل هذه البيعة في شمولها ، وقد فرح بها المسلمون وابتهجوا ، ووصف الإمام (عليه السّلام) مدى سرورهم بقوله : وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إيّاي أن ابتهج بها الصغير ، وهدج إليها الكبير ، وتحامل نحوها العليل ، وحسرت إليها الكعاب .
لقد ابتهج المسلمون ، وعمّت الفرحة الكبرى جميع الأوساط الإسلاميّة بخلافة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) رائد العدالة الاجتماعيّة ، والمتبنّي لحقوق الإنسان الذي شارك البؤساء والمحرومين في سغبهم ومحنهم ، القائل : أأقنع من نفسي بأن يُقال : أمير المؤمنين ، ولا اُشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون اُسوة لهم في جشوبة العيش ؟! .