المؤلف : اعداد : المرجع الإلكتروني للمعلوماتية
الكتاب أو المصدر : تفاسير الشيعة
الجزء والصفحة : ......



قال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْو وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد : 32 - 38].

تفسير مجمع البيان
- ذكر الطبرسي في تفسير هذه الآيات (1) :
{إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} أي امتنعوا عن اتباع دين الله ومنعوا غيرهم من اتباعه (2) تارة وبالإغواء أخرى.
{وشاقوا الرسول} أي عاندوه وعادوه {من بعد ما تبين لهم الهدى} أي من بعد ما ظهر لهم أنه الحق وعرفوا أنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) {لن يضروا الله} بذلك {شيئا} وإنما ضروا أنفسهم {وسيحبط} الله {أعمالهم} فلا يرون لها في الآخرة ثوابا وفي هذه الآية دلالة على أن هؤلاء الكفار كانوا قد تبين لهم الهدى فارتدوا عنه فلم يقبلوه عنادا وهم المنافقون وقيل أنهم أهل الكتاب ظهر لهم أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فلم يقبلوه وقيل هم رؤساء الضلالة جحدوا الهدى طلبا للجاه والرياسة لأن العناد يضاف إلى الخواص.
{يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله} بتوحيده {وأطيعوا الرسول} بتصديقه وقيل أطيعوا الله في حرمة الرسول وأطيعوا الرسول في تعظيم أمر الله {ولا تبطلوا أعمالكم} بالشك والنفاق عن عطاء وقيل بالرياء والسمعة عن الكلبي وقيل بالمعاصي والكبائر عن الحسن {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} مضى معناه {ثم ماتوا وهم كفار} أي أصروا على الكفر حتى ماتوا على كفرهم {فلن يغفر الله لهم} أبدا لأن لفظ لن للتأبيد {فلا تهنوا} أي فلا تتوانوا ولا تضعفوا عن القتال {وتدعوا إلى السلم} أي ولا تدعوا الكفار إلى المسالمة والمصالحة.
{وأنتم الأعلون} أي وأنتم القاهرون الغالبون عن مجاهد وقيل إن الواو للحال أي لا تدعوهم إلى الصلح في الحال التي تكون الغلبة لكم فيها وقيل إنه ابتداء إخبار من الله عن حال المؤمنين أنهم الأعلون يدا ومنزلة آخر الأمر وإن غلبوا في بعض الأحوال {والله معكم} أي بالنصرة على عدوكم {ولن يتركم أعمالكم} أي لن ينقصكم شيئا من ثوابها بل يثيبكم عليها ويزيدكم من فضله عن مجاهد وقيل معناه لن يظلمكم عن ابن عباس وقتادة وابن زيد .
ثم حض الله سبحانه على طلب الآخرة فقال {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} أي سريعة الفناء والانقضاء ومن اختار الفاني على الباقي كان جاهلا ومنقوصا قال الحسن الذي خلقها هو أعلم بها {وإن تؤمنوا} بالله ورسوله {وتتقوا} معاصيه {يؤتكم أجوركم} أي جزاء أعمالكم في الآخرة {ولا يسألكم أموالكم} كلها في الصدقة وأن أوجب عليكم الزكاة في بعض أموالكم عن سفيان بن عيينة والجبائي وقيل لا يسألكم أموالكم لأن الأموال كلها لله فهو أملك لها وهو المنعم بإعطائها وقيل لا يسألكم الرسول على أداء الرسالة أموالكم أن تدفعوها إليه .
{إن يسئلكموها فيحفكم} أي يجهدكم بمسألة جميعها {تبخلوا} بها فلا تعطوها أي إن يسئلكم جميع ما في أيديكم تبخلوا وقيل فيحفكم أي فليلطف في السؤال بأن يعد عليه الثواب الجزيل عن أبي مسلم {ويخرج أضغانكم} أي ويظهر بغضكم وعداوتكم لله ورسوله ولكنه فرض عليكم ربع العشر قال قتادة علم الله أن في مسألة الأموال خروج الأضغان وهي الأحقاد التي في القلوب والعداوات الباطنة {ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله} يعني ما فرض عليهم في أموالهم أي إنما تؤمرون بإخراج ذلك وإنفاقه في طاعة الله.
{فمنكم من يبخل} بما فرض عليه من الزكاة {ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه} لأنه يحرمها مثوبة جسيمة ويلزمها عقوبة عظيمة وهذه إشارة إلى أن معطي المال أحوج إليه من الفقير الآخذ فبخله بخل على نفسه وذلك أشد البخل قال مقاتل إنما يبخل بالخير والفضل في الآخرة عن نفسه وقيل معناه فإنما يبخل بداع عن نفسه يدعوه إلى البخل فإن الله تعالى نهى عن البخل وذمه فلا يكون البخل بداع من جهته {والله الغني} عما عندكم من الأموال {وأنتم الفقراء} إلى ما عند الله من الخير والرحمة أي لا يأمركم بالإنفاق لحاجته ولكن لتنتفعوا به في الآخرة.
{وإن تتولوا} أي تعرضوا عن طاعته وعن أمر رسوله {يستبدل قوما غيركم} أمثل وأطوع لله منكم {ثم لا يكونوا أمثالكم} بل يكونوا خيرا منكم وأطوع لله وروى أبو هريرة أن ناسا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قالوا يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه وكان سلمان إلى جنب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فضرب يده على فخذ سلمان فقال ((هذا وقومه.. والذي نفسي بيده لوكان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس)) وروى أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن تتولوا يا معشر العرب يستبدل قوما غيركم يعني الموالي وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قد والله أبدل بهم خيرا منهم الموالي .
_______________________
1- مجمع البيان ، الطبرسي ، ج9، ص178- 180.
2- [بالقهر].