المؤلف : محمد جواد مغنية
الكتاب أو المصدر : تفسير الكاشف
الجزء والصفحة : ج4 ، ص255-256.



قال تعالى : {قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود : 81]
لما رأت الملائكة قلق لوط وحزنه بشّروه بأنواع البشارات : إحداها انهم رسل اللَّه .


ثانيها ان الكفار لا يصلون إلى ما هموا به ثالثها انه تعالى مهلكهم . رابعها انه ينجيه وأهله من العذاب . خامسها ان لوط في ركن شديد لأن اللَّه ناصره على القوم الظالمين .


{ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ } [هود : 81] . طلب الملائكة من لوط (عليه السلام) ان يخرج ليلا بأهله ، وألا ينظر أحد منهم إلى ما وراءه . . وربما كانت الحكمة من ذلك ألا يرى الملتفت ما نزل في دياره من الهلاك فيرق ويحزن . . اما امرأة لوط فقد تركها بأمر اللَّه مع القوم الكافرين لأنها منهم ، فكان عليها ما عليهم من لعنة اللَّه وغضبه . ( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ) . هذا من كلام الملائكة ، ويومئ إلى الجواب عن استعجال من استعجل نزول الهلاك بالقوم .


( فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها ) . المراد بأمر اللَّه هنا حكمه وقضاؤه ، وضمير عاليها يعود إلى قرى لوط ، ومثله ضمير سافلها ، أي ان اللَّه سبحانه خسف الأرض بتلك القرى ، وفي بعض التفاسير انها تبعد عن بيت المقدس ثلاثة أيام . ( وأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ) . وقد جاء تفسير السجيل بالطين في الآية 32 من سورة الذاريات : « لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ » والمنضود المتراكم بعضه فوق بعض أو ينزل متتابعا بعضه اثر بعض ، والمسومة التي لها علامة خاصة ، ولا تصيب إلا من يستحقها ، والمعنى ان اللَّه انزل على قرى لوط عذابين : المطر بهذه الحجارة ، والخسف .


( وما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) . قال المفسرون : المراد بالظالمين هنا كفار مكة ، وان اللَّه توعدهم بما أصاب قوم لوط من الهلاك إن هم أصروا على تكذيب محمد (صلى الله عليه واله). وليس هذا ببعيد ، مع العلم بأن كل ظالم في شرق الأرض وغربها معرّض لنزول العذاب به من السماء ، أو من المعذبين في الأرض . . فإن كل ثورة تحررية حدثت أو تحدث لا مصدر لها الا النقمة على الظلم وأهله ، والفساد وأنصاره .