بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى.
نص الشبهة:
هل صحيح أن تشريع الخمس لآل الرسول معناه تبني مبدأ الطبقية، والالتزام به؟! بل هو قبول بمبدأ التمييز العنصري، كما يحلو للبعض أن يقول؟ .
الجواب:
أن المستفاد من الروايات أن الخمس ملك لله ولرسوله، وللإمام «عليه السلام»، والباقون من الأصناف المذكورة في الآية إنما هم موارد صرفه.
وفي الحقيقة، فقد اعتبر الله فقراء العترة من عائلة الإمام «عليه السلام»، فإن لم تكفهم سهامهم أتمها من عنده، وإن بقي من سهامهم شيء كان الباقي للإمام «عليه السلام»، ويصرف الإمام الخمس فيما ينوبه مما فيه حفظ كيان الدين وحفظ شؤون المسلمين.
والمال الذي يعطى لهؤلاء لا يعني سوى سد حاجتهم المادية، بعد أن حرمت عليهم الزكاة، كما كانت الزكاة لسد الحاجة المادية لغيرهم، من دون أن تعطي لذلك الغير أي إمتياز.
غير أن في إعطاء هذا الخمس لهؤلاء تكريماً للنبي الأعظم «صلى الله عليه وآله»، وتأكيداً على قدسيته ومكانته في نفوس الناس، مع عدم الانتقاص من حق ولا من مكانة أحد، الأمر الذي يعطي للناس زخماً عقيدياً، ومن ثم سلوكياً تحتاج إليه الأمة.
ويلاحظ اهتمام القرآن في هذا الأمر في غير مورد، كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ... ﴾ 1.
ثم إنه تعالى قد أمر الناس بالصلاة والتسليم على رسوله الأكرم «صلى الله عليه وآله» وليس ذلك إلا لأجل أنه تعالى يريد أن يستفيد من ذلك في خدمة الدين والإنسان والإنسانية.
أضف إلى ما تقدم: أن هذا الإعطاء ليس بلا حدود ولا قيود، بحيث يوجب أن تتكدس الأموال عند طائفة معينة، مع حاجة الآخرين إليها. فلا يعطى لكل إلا بمقدار مؤونة سنته، وما يرفع حاجته، كما في الروايات والفتاوى. كما أن أمر سهم الإمام بيد الإمام أو المجتهد، وكذا سهم السادة على بعض الفتاوى.
أما بالنسبة إلى الزكاة فليس الأمر كذلك، إذ يمكن إعطاء مبالغ ضخمة منها لمستحقها، بحيث ينتقلون من الفقر إلى الغنى دفعة واحدة.
ومن جهة ثانية، فإن الخمس ـ إلى جانب أمور أخرى ـ قد ساهم مساهمة فعالة في حفظ الدين على مدى التاريخ، فهو الذي حفظ ارتباط الناس بالمرجعية الدينية، وساهم في بعث الثقة المتبادلة فيما بينهم وبينها، وساعد الناس على التغلب على آثار إهمال، واضطهاد الحكام لهم، وسد الكثير من حاجاتهم، وساهم في إنشاء المؤسسات التي تخدم المجتمع، وترفع من مستواه روحياً، ومادياً وفكرياً، وجعل بإمكان القيادة الدينية، وكذلك القاعدة الشعبية: أن تعيش حرة في تفكيرها، وفي مواقفها، من دون ارتباط بالحاكم الجائر، أو خضوع له، ولم يعد بإمكانه أن يمارس ضدهم أي ضغط يرونه في غير صالح الدين، ولا أن يستعملهم أداة لتحقيق مآربه، والوصول إلى غاياته. فهم لا يستمدون مكانتهم واعتبارهم، ولا لقمة عيشهم منه، ولا يفرض عليهم أي ارتباط به، إلا في حدود الروابط العقيدية والدينية.
ومن هنا نعرف مدى تأثير الخمس في نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية، بقيادة زعيمها آية الله العظمى، والقائد الديني السيد روح الله الموسوي الخميني (قده)، بالإضافة إلى العوامل الأخرى، التي ساهمت أيضاً في هذا النجاح.
ومن جهة ثالثة، فإن حفظ هذا الدين يتطلب ذلك، إذ إنه يساهم في إيجاد الشعور بالمسؤولية المباشرة عن حفظ هذا الدين والدفاع عنه لدى فئة بعينها.
ومن الطبيعي أن تكون أقرب الفئات إلى الشعور بهذه المسؤولية الكبرى هم أهل بيت النبي «صلى الله عليه وآله»؛ بدافع من الشعور الطبيعي. ويزيد هذا الشعور ويذكيه، ويجعلهم أكثر اندفاعاً إلى التضحية في سبيله جعل هذا الخمس بمثابة ضمانة لهم، ولعوائلهم، ووسيلة لتلبية حاجاتهم، التي تفرضها مسؤولياتهم تلك.
ومن هنا فإننا نجد حتى العقائد الفاسدة، والدعوات المريبة، كالوهابية التي هي من أسخف العقائد، قد استطاعت بالاستفادة من هذا النوع من العصبية أن تفرض وجودها، وتحتفظ ببقائها؛ حيث وجدت من يعتبرون أن وجودهم مرهون بوجودها، ورأوا أن العصبية لها والحفاظ عليها مما لا بد منه في بقاء ملكهم وسلطانهم.
ومن ذلك كله يتضح أن العقيدة الحقة أولى بالاستفادة من ذلك، ولكن في سبيل الخير والحق، فجاء هذا التدبير الإلهي ليحفظ لها وجودها، ويساعد على بقائها، ويخفف من الأخطار الجسام التي سوف تواجهها.
وقد رأينا: أن المذاهب التي لم يرض عنها الحكام، حينما ووجهت بأدنى مقاومة أو معارضة، كان مصيرها التلاشي والاندثار، لعدم وجود ضمانات بقاء لها. أما مذهب أهل البيت، الذي هو رسالة الله الصافية، فإن فيه الكثير من الضمانات التشريعية والعملية التي تساعد على استمراره وبقائه في وجه أعتى القوى الظالمة، والحاقدة، حتى ولو استمر الاضطهاد له ولأتباعه القرون والقرون، كما قد كان ذلك بالفعل.
وليكن ذلك هو أحد الأدلة على عظمة هذا الدين، وعلى شمولية وصفاء الإسلام الحنيف 2.
1. القران الكريم: سورة الحجرات (49)، الآية: 2، الصفحة: 515.
2. الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي، المركز الإسلامي للدراسات، الطبعة الخامسة، 2005 م. ـ 1425 هـ. ق، الجزء السادس.