المؤلف : محمد حرب وعيد مرعي.
الكتاب أو المصدر : دول وحضارات الشرق العربي القديم
الجزء والصفحة : ص 173-106.



الكاشيون في بابل:
لم يكن لبابل من الطابع الكاشي سوى الاسم. وقد امتد العصر الكاشي قرابة أربعة قرون (1570 – 1158). وكان الكاشيون من شعوب الشرق الجبلية ويبدو من دراسة أسماء الاعلام وأسماء الآلهة أنهم كانوا ذوي ثقافة لغوية آرية (هندو – أوربية). وقد عاش الكاشيون من قبل في بابل زمنا طويلا بعد ان تغلغلوا سلميا في المجتمع البابلي. ولكنهم اقتنصوا فرصة الهجوم الحثي (نحو 1530) فاستولوا على السلطة الملكية واحتفظوا بها بعد ان أسسوا أسرة مالكة حتى أواسط القرن الثاني عشر. ولئن تغلب الكاشيون على بابل فإن حضارتهم كانت أدنى كثيراً من حضارة بلاد الرافدين التي فرضوا سيطرتهم عليها ولكنهم كانوا على درجة من التبصر والحكمة مما جعلهم يتبنون الحضارة الرافدية بمصدريها السومري – الاكدي. فعنوا كثيرا بالتراث الثقافي وتبنوا اللغة البابلية التي بقيت لغة الادارة والدواوين واحتفظوا بالآلهة والطقوس والاحتفالات الدينية البابلية. وقام الكتاب والنساخون بنقل أعمال الاجيال السابقة ونسخها واختاروا منها مجموعات ومصنفات أضحت منذ ذلك الوقت المرجع المعتمد عند دراسة الأدب البابلي. وتتألف هذه الاعمال من نصوص طقسية وتنبؤات وتعاويذ ومقالات في الطب وجداول معجمية اتخذت صيغاً مقننة ومعتمدة من هيئات الكتاب والكهان المتفرغين للنسخ والتصنيف والتأليف، وكأنهم كانوا يشكلون اولى الاكاديميات والمجامع اللغوية في التاريخ. وإننا لنتلمس في الاوساط البابلية في تلك الفترة موقفا وجدانيا يدل على انتماء فكري ثقافي في خضم الصدام البشري والسكاني والحضاري الذي كانت تعاني منه المنطقة آنذاك. وقد كانت الرغبة واضحة في العودة إلى الاصول ولكن كانت هناك بالوقت نفسه حركة تطور واضحة. فقد أعيد النظر تعديلا وصياغة في أهم عملين من الاعمال الادبية الميثولوجية أنتجتهما الحضارة الرافدية وهما : ملحمة الخلق، وملحمة جلجامش. واستطاعت اللغة البابلية تأدية دور اكبر بقيامها بدور الوسيط الثقافي والحضاري وانتقل كثير من مفرداتها إلى لغات الشعوب الاخرى.


أما في الميدان الاقتصادي – الاجتماعي فان الطابع العام للدولة البابلية في العصر الكاشي هو الطابع الاقطاعي. وهو طابع العصر آنذاك وكان واضحاً في الدولتين الحثية والميتانية. والمهم هو ان التحول نحو هذا الاتجاه بدأت منذ عصر الاسرة البابلية الأولى فالانقطاعات الشخصية غير القابلة للتوريث اصلا بدأت تتحول إلى اقطاعات موروثة ولكن بقي حملة الألقاب المستفيدون من النظام مسؤولين عن تنفيذ الالتزامات والخدمات المفروضة تجاه الملك. وكانت العلاقات الاجتماعية والمالية بين المستفيدين قوية ومغرية بالعمل لتكوين الثروات الكبيرة. وكان من الممكن الحصول على اعفاءات تزيد من تراكم الثروات. وبالتالي ان يحل المالك محل الدولة في التصرف وجمع الأرباح لحسابه. وهكذا ارتبط المزارع الصغير بسيد كبير وتكونت إلى جانب الدولة طبقة من الاغنياء الاقوياء المالكين اخذت تنافس الدولة وتقاسمها على مواردها. والنتيجة هي تصاعد نفوذ اسرات كبيرة أرستقراطية اخذت تستمد قوتها من وضعها الاقتصادي الجديد. وقد بلغ هذا التغيير أقصى درجة من الحدة في الوقت الذي اشتدت فيه وطأة الهجمات والغزوات الخارجية على المنطقة، وحين كانت السطلة المركزية القوية والقادرة ضرورية جدا. وهكذا حين اجتاحت المنطقة حركات الشعوب في شرقي البحر المتوسط وفي كل الشرق الأدنى القديم لم تكن بابل هي التي تلقت النتائج الأولى للغزو. فقد تلقت البلاد المجاورة اشد الضربات فانهارت الامبراطورية الحثية واجتاحت شعوب البحر الساحل السوري – الفلسطيني ودلتا النيل وبرقة في ليبية بينما عم الانتشار الآرامي كل سورية وبلاد الرافدين.
وهكذا يتضح ان بلاد الرافدين التي كانت مركز الثقل السياسي قرونا طويلة في عصور أكد وأور الثالثة وحمورابي لم يكن بقدرتها ان تكون العامل المركزي المؤثر في سياسية المشرق العربي القديم بعد ظهور القوى الدولية الاخرى خلال النصف الثاني من الألف الثاني ق.م. ولقد بقي دورها ولا شك مرعيا الا انه حدث اختلال في التوازن بين دور بابل الدولي السابق ودورها الحضاري الذي بقي متفوقا حتى العصر الهلنستي.