المؤلف : محمد حسين الصغير
الكتاب أو المصدر : الصوت اللغوي في القران
الجزء والصفحة : ص 188- 192.



كل لفظ في القرآن الكريم اختير مكانه وموضعه من الآية أو العبارة أو الجملة فإن غيره لا يسد مسدّه بداهة ، فقد اختار القرآن اللفظ المناسب في الموقع المناسب من عدة وجوه ، وبمختلف الدلالات ، إلا أن استنباط ذلك صوتيا يوحي باستقلالية الكلمة المختارة لدلالة أعمق ، وإشارة أدق ، بحيث يتعذر على أية جهة فنية استبدال ذلك بغيره ، إذ لا يؤدي غيره المراد الواعي منه ، وذلك معلم من معالم الإعجاز البياني في القرآن.


1- في قوله تعالى : { يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ : 10]. جرس موسيقي حالم ، وصدى صوتي عميق ، وإطلاق للأصوات من أقصى الحلق وضمها للشفة ثم إعادة إطلاقها ، فيما به يتعين موقع «أوبي» بحيث لا يسدّ مسدّها غيرها من الألفاظ ، فالمراد بها ترجيع التسبيح من آب يئوب ، على جهة الإعجاز بحيث تسبح الجبال ، وهو خلاف العادة ، وخرق لنواميس الكون في ترديد الأصوات من قبل ما لا يصوت ، ولو استبدل هذا اللفظ في غير القرآن لعاد النظر مهلهلا ، والدلالة الصوتية منعدمة.


قال الزمخشري (ت : 538 هـ) : «فإن قلت : أي فرق بين هذا النظم وبين أن يقال : وآتينا داود منا فضلا تأويب الجبال معه والطير؟ قلت : كم بينهما ؟ ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا تخفى من الدلالة على عزة الربوبية ، وكبرياء الألوهية ، حيث جعلت الجبال منزّلة منزلة العقلاء الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا ، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا ، إشعارا بأنه ما من حيوان وجماد ، وناطق وصامت إلا وهو منقاد إلى مشيئته ، غير ممتنع عن إرادته» (1).


وتقرأ الآية { يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ : 10]. بالتشديد ، وتقرأ بالتخفيف ، فمن قرأ (أوّبي) بالتشديد فمعناه : يا جبال سبحي معه ، ورجعي التسبيح لأنه قال : سخرنا الجبال معه يسبحن ، ومن قرأ (أوبي) بالتخفيف ، فمعناه : عودي معه بالتسبيح كلما عاد فيه (2).


فالنظام الصوتي بهذا هو الذي يحقق المعني الجملي ، فإن كانت (أوبي) بالتشديد ، وهي القراءة المتعارفة ، فالمراد : التسبيح في ترديده وترجيعه ، وإن كانت بالتخفيف ، فتعني الرجوع والأوبة ، وعليه فالمراد إذن : العودة إلى التسبيح كلما عاد :


2- في قوله تعالى : { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [العنكبوت : 41]. تبرز كلمة «أوهن» لتعطي معنى الضعف ، وقد تحقق هذا المعنى كلمة (أوهى) ولكن القرآن الكريم استعمل أوهن دون أوهى ، وذلك لما يفرزه ضم حروف الحلق ، وأقصى الحلق إلى النون من التصاق وغنة لا تتأتى بضم الألف المقصورة إليها صوتيا ، وحينئذ تصل الكلمة إلى الأسماع ، وتصك الآذان ، وهي تحمل لونا باهتا للعجز مؤكدا بضم هذه النون- من ملحظ صوتي فقط- إلى تلك الحروف لتحدث واقعا خاصا يشعر بالضعف المتناهي لا بمجرد الضعف وحده. وكان هذا بتأثير مباشر من دلالة اللفظ الصوتية ، إذ أحدثت فيها النون وهي من الصوامت الأنفية صدى وإيقاعا لا تحدثه الألف المقصورة وهي صوت حلقي خالص ، لا غنة معه ، ولا ضغط ، ولا إطباق.


وهذا التشبيه باختيار هذا اللفظ صوتيا ، يجمع إليه إيحائيا دلالة أن الأصنام والأشخاص والقيم اللاإنسانية ... واهنة متداعية عاجزة حتى عن حماية كيانها ، وصيانة وجودها ، لأنها في تكوين رخو واهن ، وبناء تتداعى أركانه ، ومثل هذا التكوين وذلك البناء لا اعتماد عليهما ، ولا اعتداد بهما ، إنما القوة باللّه ، والحماية من اللّه ، والالتجاء إلى اللّه فهو وحده الركن القويم.
قال الزمخشري (ت : 538 هـ) : «و قد صح أن أوهن البيوت بيت العنكبوت ، وكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتا بيتا بيت العنكبوت ، كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها دنيا دينا عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون» (3).


وإذا كان القرآن الحكيم قد امتاز بتخير الألفاظ وانتقائها ، فإنه يرصد بذلك ما لهذه الألفاظ دون تلك :


«من قوة تعبيرية ، بحيث يؤدي بها فضلا عن معانيها العقلية ، كل ما تحمل في أحشائها من صور مدخرة ، ومشاعر كامنة ، لفّت نفسها لفّا حول ذلك المعنى العقلي» (4).
وهو ما تنبّه إليه الزمخشري في تعليله ذلك من ذي قبل.


3- وفي قوله تعالى : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [النحل : 76].
تنهض كلمة «كل» وهي صارخة مشرأبة ، لتوحي عادة بمعنى العالة في أبرز مظاهرها ، وقد استعملها القرآن لإضاءة المعنى بما فيها من غلظة وشدة وثقل ، لهذا الصدى الصوتي الخاص المتولد من احتكاك الكاف وإطباق اللام على اللهاة ، وما ينجم عن ذلك من رنة في الذاكرة ، وشدة على السمع ، فصوت الكاف في العربية ، وهو من حروف الإطباق ، شديد انفجاري مهموس ، وصوت اللام في العربية ، وهو من حروف الأسنان واللثة ، مجهور متوسط بين الشدة والرخاوة (5).


وقد اجتمع المهموس والمجهور معا في هذا اللفظ ، فإذا علمنا أن المهموس هو الصوت الذي يظل النفس عند النطق به جاريا لا يعوقه شي‏ء ، وأن المجهور هو الصوت الذي يمتنع النفس عن الجريان به عند النطق أدركنا سر اجتماع الكاف المهموسة واللام المجهورة في هذا اللفظ ، وما في ذلك من عسر في اللفظ دال على عسر المعنى وغلظته.


يقول أستاذنا المخزومي : «فإذا اجتمع صوت مجهور ، وآخر مهموس ، فقد اجتمع صوتان مختلفان لكل منهما طبيعة خاصة ، والجمع بين هذين الصوتين يقتضي عضو النطق أن يعطي كل صوت منهما حقه ، وفي ذلك عسر لا يخفى ، فإذا تألفت كلمة وقد تجاور فيها صوتان ، أحدهما مجهور ، والآخر مهموس ، فما يزال أحدهما يؤثر في الآخر حتى يصيرا مجهورين معا ، أو مهموسين معا» (6).
لقد ظل النفس جاريا مستطيلا في اللام عند مجاورتها للكاف ، وزاد التشديد في استطالتها ، لتوحي الكلمة بأبعادها الصوتية : بأن هذا العبد شؤم لا خير معه ، وبهيمة لا أمل بإصلاحه ، فهو عالة وزيادة ، بل هو «كل» بكل التفصيلات الصوتية لهذا اللفظ.


لقد كان اختيار اللفظ المناسب للصوت المناسب حقلا يانعا في القرآن لا للدلالة الصوتية فحسب ، بل لجملة من الدلالات الإيحائية واللغوية والهامشية ، وتلك ميزة القرآن الكريم في تخير الألفاظ.
_______________________
(1) الزمخشري ، الكشاف : 3/ 281.
(2) ظ : ابن منظور ، لسان العرب : 1/ 212.
(3) الزمخشري ، الكشاف : 3/ 206.
(4) تشارلتن ، فنون الأدب : 76.
(5) ظ : ابن جني ، سر صناعة الأعراب ، 1/ 69.
(6) مهدي المخزومي ، في النحو العربي ، قواعد وتطبيق : 8.