المؤلف : ناصر مكارم الشيرازي
الكتاب أو المصدر : تفسير الامثل
الجزء والصفحة : ج15، ص184-185.



قال تعالى : { تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ..} [المطففين : 24 - 26].


تبيّن لنا مختلف الآيات في القرآن الكريم أنّ ثمة ألوان من الأشربة والخمور الطاهرة بأسماء وكيفيات مختلفة ، تباين خمور أهل الدنيا الملوثة من جميع جهاتها ، فهذه : تأخذ بلبّ الإنسان صوب التيه ، توصل شاربها لحال الجنون ، كريهة الطعم والرائحة ، وتزرع عند شاربها العداوة والبغضاء ، تؤدي إلى سفك الدماء وتبث الرذيلة والفساد... أمّا تلك : تذكي عقل شاربها وتصفو به ، وتزيده نشاطاً وحيوية ، ذات عطر لا يوصف وطهارة خالصة ، ويغوص شاربها في نشوة روحية نقية راقية. وذكرت السّورة المبحوثة نوعين منها : (الرحيق المختوم) و«التسنيم» في حين ذكرت سورة الدهر أنواعاً اُخرى ، وفي سور اُخرى ـ وقد تعرضنا لها في محلها.


وتؤكّد الأحاديث والرّوايات على أنّ تلك الأشربة خالصة لمن تنزّه عن الولوغ في خمور الدنيا الخبيثة.


فعن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال لأمير المؤمنين (عليه السلام) : «يا عليّ من ترك الخمر للّه سقاه اللّه من الرحيق المختوم» (1).


وفي حديث آخر أنّه(عليه السلام) سأله عن هذا الترك أنّه حتى لو كان : «لغير اللّه»؟ ، قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : «نعم واللّه ، صيانة لنفسه فيشكره اللّه تعالى عن ذلك» (2).


نعم ، فهؤلاء من اُولي الألباب ، الذين تناولت ذكرهم الآية (193) من سورة آل عمران ، واُولي الألباب مع الأبرار في تناول تلك الأشربة الطاهرة.


وروي عن الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين (عليه السلام) أنّه قال : «مَن سقى مؤمناً من ظمأ سقاه اللّه من الرحيق المختوم» (3).


وجاء في حديث آخر : «مَن صام للّه في يوم صائف ، سقاه اللّه من الظمأ من الرحيق المختوم» (4) .
_________________________
1 ـ تفسير نور الثقلين ، ج5 ، ص534 ، ح 40.
2 ـ المصدر السابق ، ح 37.وبحار الانوار ، ج8 ، ص114.
3 ـ المصدر السابق ، ح35.واصول الكافي ، ج2 ، ص201.
4 ـ مجمع البيان ، ج10 ، ص456 . ذيل الايات مورد البحث ، وبحار الانوار ، ج8 ، ص114.