المؤلف : محمد هادي معرفة
الكتاب أو المصدر : التأويل في مختلف المذاهب والآراء
الجزء والصفحة : ص173-176.






وردت في مفتتح تسع وعشرين سورة حروف مقطّعة هي نصف حروف الهجاء ، إمّا مفردة أو منضمَّة من غير تركيب ، وهي :
الم. المص. المر. الر. طس. طسم. حم. حمعسق. كهيعص. طه. يس. ص. ن. ق.


ومجموع هذه الحروف ثمانية وسبعون حرفاً ، وهي بحذف المكرّرات تصبح أربعة عشر حرفاً ، وهي : أ. ح. ر. س. ص. ط. ع. ق. ك. ل. م. ن. هـ . ي.


قال الزمخشري : «إذا تأمّلت ما أورده الله في الفواتح من هذه الأسماء ، وجدتها نصف حروف المعجم : أربعة عشر سواء ، في تسع وعشرين سورة ، على عدد حروف المعجم.
ثمّ إذا نظرت في هذه الأربعة عشر ، وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف. بيان ذلك : أنّ فيها من المهموسة نصفها : الصاد ، والكاف ، والهاء ، والسين ، والحاء. ومن المجهورة نصفها : الألف ، واللام ، والميم ، والراء ، والعين ، والطاء ، والقاف ، والياء ، والنون. ومن الشديدة نصفها : الألف ، والكاف ، والطاء ، والقاف. ومن الرخوة نصفها : اللام ، والميم ، والراء ، والصاد ، والهاء ، والعين ، والسين ، والحاء ، والياء ، والنون. ومن المطبقة نصفها : الصاد ، والطاء. ومن المنفتحة نصفها : الألف ، واللام ، والميم ، والراء ، والكاف ، والهاء ، والعين ، والسين ، والحاء ، والقاف ، والياء ، والنون. ومن المستعلية نصفها : القاف ، والصاد ، والطاء.


ومن المنخفضة نصفها : الألف ، واللام ، والميم ، والراء ، والكاف ، والهاء ، والياء ، والعين ، والسين ، والحاء ، والنون. ومن حروف القلقة نصفها : القاف ، والطاء (1).
ثمّ إذا استقريت الكلم وتراكيبها ، رأيت الحروف التي ألغى الله ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها ، فسبحان الذي دقّت في كلّ شيء حكمته».
قال : «وقد علمت أنّ معظم الشيء وجلّه ينزّل منزلة كلّه ، وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته. فكأنّ الله عزّ اسمه عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم ، إشارة إلى ما ذكرتُ ، من التبكيت لهم وإلزام الحجّة إيّاهم».


قال : «وقد اختلفت أعداد هذه الحروف ، فوردت (ص ، ق ، ن ، ) حرفاً واحداً. و(طه ، طس ، يس ، حم) على حرفين. و(الم ، الر ، طسم) على ثلاثة أحرف. و(المص ، المر) على أربعة أحرف. و(كهيعص ، حمعسق) على خمسة أحرف. كلّ ذلك على عادة افتنان العرب في أساليب كلامهم وتصرّفهم فيه على طرق شتّى ومذاهب متنوّعة ، ولم تتجاوز أبنية كلماتهم على ذلك» (2).
قيل : إنّما جاءت الحروف المقطّعة على نصف حروف المعجم ; تنبيهاً على أنّ من زعم أنّ القرآن ليس بآية فليأخذ الشطر الباقي ، ويركّب عليه ألفاظاً ليعارض بها القرآن.
نقله الزركشي عن القاضي أبي بكر ، ثمّ قال : «وهذه الأحرف تختلف من حيث مواضعها ، فلم تقع الكاف والنون إلاّ مرّة واحدة ، والعين والياء والهاء والقاف مرّتين ، والصاد ثلاث مرّات ، والطاء أربعاً ، والسين خمساً ، والراء ستّاً ، والحاء سبعاً ، والألف واللام ثلاث عشرة ، والميم سبع عشرة».


قال الإمام بدر الدين الزركشي : «وقد جمع هذه الأحرف الأربع عشرة قولك : «نصٌ حكيمٌ قاطعٌ له سرٌ». قلت : وهكذا قولك : صراط عليّ حقٌّ نُمسِكه» !
قال : «وتأمّل السور المفتتحة بحرف واحد ، فإنّ أكثر كلماتها مبنية على ذلك ، كالقاف في سورة «ق» ، ففيها ذكر الخلق ، وتكرار القول ، والقرب ، والتلقّي ، والرقيب ، والسابق ، والقرين ، والالقاء ، والتقدّم ، والمتّقين ، والقلب ، والقرن ، والتنقيب ، والقتل ، وتشقّق الأرض ، وبسوق النخل ، والرزق ، والقوم ، وما شاكل ، وفي ذلك سرٌ مكنون.
وسرّ آخر : أنّ المعاني الواردة في السورة كلّها تناسب لما في حرف القاف ، من الشدّة والجهر ، والقلقلة والانفتاح.


وهكذا سورة «ص» اشتملت على عدة خصومات جاءت في السورة. فأولها خصومة الكفار مع النبيّ ، ثمّ اختصام الخصمين عند داود ، ثمّ تخاصم أهل النار ، ثمّ اختصام الملأ الأعلى في العلم ، ثمّ تخاصم إبليس.
وكذلك سورة القلم ، فواصلها على النون ، واشتمالها على كلمات نونيّة كثيرة. قال : وكذا السور المفتتحة بحرفين أو أكثر ، فإنّ له رابطاً مع كلمات السورة بالذات.
هذا من جهة اللفظ ، ولعلّ في طيّها أسراراً عظيمة يعلمها الربّانيون» (3).


وقال جلال الدين السيوطي : «إنّ كلّ سورة بدئت بحرف من هذه الحروف فإنّ أكثر كلماتها وحروفها مماثل له ، فحقّ لكلّ سورة منها أن لا يناسبها غير الوارد فيها. فلو وضع «ق» موضع «ن» لم يمكن. وسورة «ق» بدئت به لما تكرّر فيها من الكلمات بلفظ القاف. وهكذا قد تكرّرت الراء في سورة يونس ، من الكلام الواقع فيها إلى مائتي كلمة أو أكثر ، فلهذا افتتحت بالراء ، وسورة الأعراف زيد فيها «ص» على «الم» لنفس السبب» (4).


هل الحروف المقطّعة آية ؟
عُدّت من بعض السُّور آية دون بعض ، وذلك لأنّه علم توقيفيّ لا مجال للقياس فيه ، كمعرفة ذوات السور وعدد آيها.
قال الزمخشري : «أمّا (الم) فآية حيث وقعت من السور المفتتحة بها ، وهي : ستّ (5) ، وكذلك (المص) آية (6) ، و(المر) لم تعدّ آية (7) ، وكذلك (الر) ليست بآية في سُورها الخمس (8) ، و(طسم) آية في سورتيها (9) ، و(طه) و(يس)آيتان ، و(طس) ليست بآية (10) ، و(حم ) آية في سورها كلّها (11) ، و(حم ، عسق)آيتان (12) ، و(كهيعص) آية واحدة (13) ، و(ص) و(ق) و(ن) ثلاثتها لم تعدّ آية».
قال : «هذا مذهب الكوفيّين ، وأمّا من عداهم فلم يعدّوا شيئاً منها آية» (14).
وأخرج وكيع وعبد بن حميد عن أبي عبدالرحمان السُّلَمي : أنّه كان يعدّ (الم) آية ، و(حم) آية (15).


_______________________
1 . بقي عليه حروف الصفير وهي ثلاثة : السين ، والصاد ، والزاي. فذكر منها اثنان : السين ، والصاد ، لأنّ النصف ـ في العادة ـ في العدد الفرد يجب تكميل كسره. وكذلك من حروف اللينة اثنان : الألف ، والياء ، كذلك. والمكرّر وهو الراء. والهاوي وهو الألف. والمنحرف وهو اللام ، وقد ذكرها. وأمّا حروف الزلاقة والمصمتة قال أحمد : فالصحيح أن لا يعدّا صنفين. حتّى أنّ الزمخشري في (المفصّل : 395) أبعد في تمييزهما راجع : هامش الكشاف 1 : 29.
2 . الكشاف 1 : 29 ـ 31 مع اختزال.
3 . البرهان 1 : 167 ـ 170.
4 . معترك الأقران 1 : 71.
5 . في سورة البقرة ، وآل عمران ، والعنكبوت ، والروم ، ولقمان ، والسجدة.
6 . من سورة الأعراف.
7 . من سورة الرعد.
8 . في سورة يونس ، وهود ، ويوسف ، وإبراهيم ، والحجر.
9. في سورة الشعراء ، والقصص.
10 . من سورة النمل.
11 . في سورة غافر ، وفصّلت ، والزخرف ، والدخان ، والجاثية ، والأحقاف.
12 . من سورة الشورى.
13 . من سورة مريم.
14 . الكشاف 1 : 31.
15 . الدرّ المنثور 1 : 55.