المؤلف : الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
الكتاب أو المصدر : نفحات القران
الجزء والصفحة : ج9 , ص336- 339




الحديث يدور حول حقيقة الإيمان بظهور المهدي عليه السلام ببرنامجه العالمي الذي يملأ بموجبه العالم عدلًا وقسطاً ويقطع جذور الظلم والاضطهاد، فهل لتلك الحقيقة آثار تربوية بناءة أم آثار سلبية؟
وهل أنّ الإيمان بمثل هذا الظهور يحمل الإنسان على‏ الاستعراض في افكار تخيلية بحيث يغفل عن واقعه المعاش ويجعله مستسلماً أمام كل الظروف؟
أم أنّ ذلك في حالة صحة هذه العقيدة يعد نوعاً من الدعوة للثورة وبناء الفرد والمجتمع؟
هل يبعث على‏ التحرك أم الركود؟
هل يخلق روح تحمّل المسؤولية أم يكون داعياً إلى‏ الهروب من اعباء المسؤوليات؟!
وأخيراً : هل هو عامل مخدّر أم منبّه؟
ولكن قبل توضيح ومتابعة هذه الاسئلة، يعدُ الالتفات إلى‏ هذه النقطة أمراً ضرورياً جدّاً، وهي : أنّ أفضل القوانين وارقى‏ المفاهيم إذا وقعت في ايدي الأفراد غير الكفوئين أو غير اللائقين أو الانتهازيين يمكن أن تتعرض إلى‏ المسخ الشديد، بحيث تعطي نتائج مغايرة للهدف الأصلي تماماً، وتتحرك بالاتّجاه المضاد منها، ولهذه القضية نماذج كثيرة، ومسألة «الانتظار» وبالنحو الذي سنراه في عداد هذه المسائل.
وعلى‏ أيّة حال فإنّ التخلّص من كافة أنواع الخطأ في الحساب في مثل هذه الأبحاث، لابدّ- كما يقال- من أخذ الماء من مصدره، لكي لا يُؤثر فيه التلويث المحتمل للأنهار والقنوات التي يمرُ فيها الماء خلال مسيره.
أي إنّنا سنتوجه في بحث مسألة «الانتظار» مباشرةً نحو المصادر الإسلامية الأصلية، ونُخضع مضامين الأحاديث المختلفة التي تؤكد على‏ مسألة «الانتظار» للبحث والتحقيق، كي نصل إلى‏ الهدف الأساسي.
والآن تأمّلوا في هذه الطائفة من الروايات بدقّة
1- سأل سائل من الإمام الصادق عليه السلام : ماذا تقول فيمن مات وهو على‏ ولاية الأئمّة بانتظار ظهور حكومة الحق؟
فقال الإمام عليه السلام في جوابه : «هو بمنزلة مَنْ كان مع القائم عليه السلام في فسطاطِه- ثم سكت هنيئَةً- ثم قال : هو كَمَنْ كانَ مع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله» (1).
ونُقل هذا المضمون نفسه في روايات كثيرة وبتعابير مختلفة.
2- وجاء في بعضٍ منها : «بمنزلة الضاربِ بسيفهِ في سبيل اللَّه».
3- وفي البعض الآخر : «كمَنْ قارَعَ مع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بسيفِهِ».
4- وفي البعض الآخر : «بمنزلةِ مَنْ كانَ قاعداً تحت لِواءِ القائمِ».
5- وفي البعض الآخر : «بمنزلةِ المجاهِدِ بين يديْ رسولِ اللَّه صلى الله عليه و آله».
6- وفي البعض الآخر : «بمنزلةِ مَنْ استشهِدَ مع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله».
انَّ هذه التشبيهات السبعة الواردة في هذه الروايات الستّة بشأن انتظار ظهور المهدي عليه السلام، تكشف عن هذه الحقيقة، بوجود نوع من الرابطة والتشابه بين مسألة «الانتظار» من جهة، و «الجهاد»، ومقاتلة الأعداء بأعلى‏ صورة من جهة اخرى‏ (تأملوا).
7- ورد انتظار مثل هذه الحكومة أيضاً في روايات متعددة، واشير إليه على‏ أنّه أفضل العبادات.
ونقل هذا المضمون في بعض الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه و آله، وفي البعض الآخر عن أمير المؤمنين عليه السلام، ونقرأ في حديث أنّ الرسول صلى الله عليه و آله قال : «أَفضَلُ اعمالِ امَّتي انتِظارُ الفرجِ من اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» (2).
ونقرأ في حديث آخر عن الرسول صلى الله عليه و آله : «أَفضَلُ العبادَةِ انتظارُ الفرج» (3).
وهذا الحديث سواء نظرنا فيه إلى‏ مسألة انتظار الفرج بالمعنى‏ الواسع للكلمة أو بالمفهوم الخاص لها أي بمعنى‏ انتظار ظهور المصلح العالمي الكبير، يُوضّح أهميّة الانتظار في بحثنا هذا.
كل هذه التعابير تقول بأجمعها إنّ الانتظار يعد ثورة مقرونة بشكل مستمر بالجهاد الواسع الشامل، اجعلوا هذه المسألة نصب أعينكم كي ننتقل إلى‏ مفهوم الانتظار، ثم نستخلص النتيجة من مجموع هذه المفاهيم.
____________________
(1) محاسن البرقي طبقاً لنقل بحار الأنوار، ج 13، ص 136.
(2) اصول الكافي بناءً على‏ نقل بحار الأنوار، ج 13، ص 137.
(3) اصول الكافي بناءً على‏ نقل بحار الأنوار، ج 13، ص 136.