بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى.
على امتداد عهد البعثة كان النبي (صلى الله عليه وآله) يبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم، وكان بالساحة من سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئا ولم يحفظه على وجهه، ويرويه ويعمل به ويقول أنا سمعته من رسول الله، فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوه منه، ولو علم هو أنه كذلك لرفضه، وكان بالساحة من سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئا يأمر به، ثم نهى عنه وهو لا يعلم. أو سمعه ينهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه، وكان بالساحة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، لم يكذبوا على الله ولا على رسوله، حفظوا ما سمعوا على وجهه، فلم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه، حفظوا الناسخ فعملوا به، وحفظوا المنسوخ فجنبوا عنه، عرفوا الخاص والعام، والمحكم والمتشابه، فوضعوا كل شئ موضعه، وقد كان يكون من رسول الله (صلى الله عليه وآله) الكلام له وجهين، فكلام خاص وكلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عنى به الله سبحانه به، ولا ما عنى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من أجله، وليس كل أصحاب رسول الله في من كان يسأله يستفهمه، حتى إن كانوا يحبون أن يجيئ الأعرابي والطارئ فيسأله عليه الصلاة والسلام حتى يسمعوا، وقال الإمام علي: وكان لا يمر بي من ذلك شئ إلا سألته عنه وحفظته (1). ويضاف إلى هذه الأصناف، الذين احترفوا الكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولقد كذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عهده، حتى قام خطيبا فقال " من كذب علي معتمدا. فليتبوأ مقعده من النار ".
ونظر لاتساع الهوة في رواية الحديث بعد إبعاد أهل البيت عن مكانهم في الذروة، اختلف الناس في الفتوى، حتى قال الإمام علي " ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه، ثم ترد القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا، وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد، أفأمرهم الله تعالى بالاختلاف فأطاعوه، أم نهاهم عنه فعصوه، أم أنزل سبحانه دينا تاما فقصر الرسول عن تبليغه وأدائه، والله تعالى يقول (ما فرطنا في الكتاب من شئ) (2). وفيه تبيان كل شئ. وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا. وإنه لا اختلاف فيه.
(ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (3). إن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق. لا تفنى عجائبه. ولا تنقضي غرائبه. ولا تكشف الظلمات إلا به " (4).
ويشهد بعدم معرفة جميع الصحابة بما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واختلافهم في الفتوى، ما رواه البخاري عن أبي هريرة أنه قال " إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله (صلى الله عليه وآله). يشبع بطنا، ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون " (5)، وروى البخاري أن عمر بن الخطاب لم يكن يعلم حكم الاستئذان، وذلك عندما استأذنه أبو موسى، وعندما لم يؤذن له رجع، فقال له عمر: ما منعك؟ قال: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال النبي (صلى الله عليه وآله): إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع، فقال عمر: والله لتقيمن عليه بينة، فانطلق أبو موسى إلى مجلس من الأنصار، وقال: أمنكم أحد سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقال أبي بن كعب: لا يقوم معك إلا أصغر القوم. وفي رواية: لا يشهد إلا أصاغرنا (6). قال أبو سعيد الخدري. وكنت أصغر القوم. فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال ذلك (7)، وفي رواية: قال عمر: خفي علي هذا من أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله). ألهاني الصفق بالأسواق " (8).
ويشهد بأنهم لم يكونوا على علم بجميع ما روي عن رسول الله، ما روي في حديث صحيح، عن سالم بن عبد الله عن أبيه " أن أبا بكر وعمر وناس، جلسوا بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم فيها علم، فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو أسأله، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم فأنكروا ذلك. ووثبوا إليه شيعا حتى أتوه في داره، فأخبرهم بحديث رسول الله... " (9).
ويشهد باختلافهم في الفتوى، أن عمر بن الخطاب لم يكن يعلم حكم دية الأصابع. فكان يقضي بتفاوت ديتها على حسب اختلاف منافعها، حتى وجد كتابا عند آل عمرو بن حزم، يذكر فيه سنة النبي في في ذلك (10)، ولم يعلم عمر حكم الجنين إذا أسقط قبل ولادته، حتى جاء المغيرة بقضاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك (11)، واختلفوا في ميراث الجدة (12).
وبالجملة: اجتهد الصحابة تحت سقف الامتحان والابتلاء، وكان الاجتهاد قابلا للخطأ وللصواب، فعن موسى بن إبراهيم قال " إن أبا بكر حين استخلف، قعد في بيته حزينا، فدخل عليه عمر بن الخطاب، فأقبل أبو بكر عليه يلومه. وقال: أنت كلفتني هذا الأمر. وشكا إليه الحكم بين الناس، فقال عمر: أو ما علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال " إن الوالي إذا اجتهد فأصاب الحق فله أجران. وإن اجتهد فأخطأ فله أجرا واحدا،. فكأنه سهل على أبي بكر " (13).
____________
(1) أنظر شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد ص 591 / 3.
(2) سورة الأنعام آية 38.
(3) سورة النساء آية 82.
(4) شرح النهج / ابن أبي الحديد 233 / 1.
(5) البخاري (الصحيح 214 / 1).
(6) البخاري ك الإعتصام (الصحيح 269 / 4).
(7) البخاري ك الإستئذان (الصحيح 88 / 4).
(8) البخاري ك الإعتصام (269 / 4).
(9) قال المنذري: رواه الطبراني بإسناد صحيح والحاكم وصححه وقال صحيح على شرط مسلم (الترغيب والترهيب 184 / 3).
(10) أخرجه الشافعي في الأم بسند حسن. والنسائي.
(11) رواه البخاري ك الديات (الصحيح 193 / 4).
(12) رواه أحمد (الفتح الرباني 198 / 15) والترمذي (الجامع 419 / 4).
(13) رواه البيهقي وابن راهويه وخثيمة (كنز العمال 630 / 5).