المؤلف : الشيخ ابي علي الفضل بن الحسن الطبرسي
الكتاب أو المصدر : اعلام الورى بأعلام الهدى
الجزء والصفحة : ص116-120

لمّا اشتدّت قريش في أذى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأصحابه أمرهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يخرجوا إلى الحبشة، وأمر جعفر أن يخرج بهم، فخرج جعفر وخرج معه سبعون رجلاً حتّى ركبوا البحر، فلمّا بلغ قريشاً خروجهم بعثوا عمرو بن العاص السهميّ وعمارة بن الوليد إلى النجاشي أن يردهم إليهم، وأن يعلماه أنّهم مخالفون لهم، فخرج عمارة وكان شابّاً حسن الوجه مترفاً، وأخرج عمرو بن العاص أهله، فلمّا ركبوا السفينة شربوا الخمر فقال عمارة لعمرو بن العاص: قل لأهلك تقبّلني.


فقال: سبحان الله أيجوز هذا؟! فتركه حتّى انتشى، وكان على صدر السفينة فدفعه عمارة وألقاه في البحر، فتشبّث عمرو بصدر السفينة وأدركوه فأخرجوه، فلمّا أن رأى عمرو ما فعل به عمارة قال لأهله: قبّليه!!
فوردوا على النجاشي فدخلوا عليه ـ وقد كانوا حملوا إليه هدايا ـ فقال عمرو: أيّها الملك إنّ قوماً منّا خالفونا في ديننا وصاروا إليك فردّهم إلينا.


فبعث النجاشي إلى جعفر فأحضره فقال: يا جعفر إنّ هؤلاء يسألونني أن أردّكم إليهم.
فقال: أيّها الملك سلهم أنحن عبيد لهم؟
قال عمرو: لا، بل أحرارٌ كرامٌ.
قال: فسلهم ألهم علينا ديونٌ يطالبوننا بها؟
قال: لا، ما لنا عليهم ديونٌ.
قال: فلهم في أعناقنا دماء يطالبوننا بذحولها(1).
قال عمرو بن العاص: لا، ما لنا في أعناقهم دماء ولا نطالبهم بذحول.
قال: فما تريدون منّا؟
قال عمرو: خالفونا في ديننا ودين آبائنا، وسبّوا آلهتنا، وأفسدوا شبّاننا، وفرّقوا جماعتنا، فردّهم إلينا ليجتمع أمرنا.
فقال جعفر: أيّها الملك خالفناهم لنبيّ بعثه الله فينا، أمرنا بخلع الأنداد، وترك الاستقسام بالأزلام، وأمرنا بالصلاة والزكاة، وحرّم الظلم والجور وسفك الدماء بغير حلّها، والزنا والربا والميتة والدم، وأمر بالعدل والاِحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.
فقال النجاشي: بهذا بعث الله عيسى بن مريم، ثمّ قال النجّاشي: يا جعفر أتحفظ ممّا أنزل الله على نبيّك شيئاً.
قال: نعم.
قال: اقرأ.
فقرأ عليه سورة مريم عليها السلام فلمّا بلغ إلى قوله: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا } [مريم: 25] (2)بكى النجاشي وقال: إنّ هذا هو الحقّ.
فقال عمرو: أيّها الملك إنّ هذا ترك ديننا فردّه علينا حتّى نردّه إلى بلادنا، فرفع النجاشي يده فضرب بها وجهه، ثمّ قال: لئن ذكرته بسوء لأقتلنك.


فقال عمرو ـ والدماء تسيل على ثيابه ـ: أيّها الملك إن كان هذا كما تقول فإنّا لا نعرض له، فخرج من عنده.
وكانت على رأس النجاشي وصيفة له تذبّ عنه فنظرت إلى عمارة بن الوليد وكان فتى جميّلاً، فلمّا رجع عمرو بن العاص إلى منزله قال لعمارة: لو راسلت جارية الملك، فراسلها عمارة فأجابته فقال لعمرو بن العاص: قد أجابتني.
قال: قل لها: تحمل إليك من طيب الملك شيئاً، فقال لها، فحملته إليه فأخذه عمرو بن العاص وكان الذي فعل به عمارة ـ حيث ألقاه في البحر ـ في قلبه، فأدخل الطيب على النجاشي فقال: أيها الملك إنّ من حرمة الملك وحقّه علينا وإكرامه إيّانا إذا دخلنا بلاده ونأمن فيه أن لا نغشّه، وإنّ صاحبي هذا الذي معي قد راسل حرمتك وخدعها وبعثت إليه من طيبك، فعرض عليه طيبه، فغضب النجاشي لذلك غضباً شديداً، وهمّ أن يقتل عمارة ثمّ قال: لا يجوز قتله لاَنّهم دخلوا بلادي بأمان، فدعا السحرة وقال: اعملوا به شيئاً يكون عليه أشدّ من القتل.


فأخذوه ونفخوا في إحليله شيئاً من الزئبق فصار مع الوحش، فكان يغدو معهم ولا يأنس بالناس، فبعثت قريش بعد ذلك في طلبه، فكمنوا له فى موضع فورد الماء مع الوحش فقبضوا عليه، فما زال يضطرب في أيديهم ويصيح حتّى مات، فرجع عمرو إلى قريش فأخبرهم خبره وأنّه بقي جعفر بأرض الحبشة في أكرم كرامة، فما زال بها حتّى بلغه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد هادن قريشاً وقد وقع بينهم صلح، فقدم بجمع من معه ووافى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقد فتح خيبر.


وولد لجعفر من أسماء بنت عميس بالحبشة عبدالله بن جعفر، وولد للنجاشي ابن فسمّاه محمداً وسقته أسماء من لبنها(3).
وقال أبو طالب ـ يحضّ النجاشي على نصرة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم واتّباعه ـ:
تعلم مليك الحبش أنّ محمداً *** نبيّ كموسى والمسيح ابن مريم
أتى بالهدى مثل الذي أتيا به *** وكلّ بأمر الله يهــدي ويعصــم
وإنّكــم تتلونـــه في كتابكـــم *** بصدق حديث لا حديث الترجّم
فـــلا تجعلـوا لله ندّا وأسلموا *** فإنّ طريق الحقّ ليس بمظلم(4)
وفيما رواه أبو عبدالله الحافظ بإسناده، عن محمّد بن إسحاق قال :بعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عمرو بن اُميّة الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه وكتب معه كتاباً


بسم الله الرحمن الرحيم
من محمّد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة.
سلامٌ عليك، فإنّي أحمد إليك الله الملك القدّوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيّبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه، وإنّي أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بي وبالذي جاءني، فإنّي رسول الله، وقد بعثت إليكم ابن عمّي جعفرا ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاءوك فأقرهم ودع التجبّر، فإنّي أدعوك وجنودك إلى الله، وقد بلّغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى».
فكتب النجاشي إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:


بسم الله الرحمن الرحيم
الى محمّد رسول الله من النجاشي الأصحم بن أبحر.
سلام عليك يا نبيّ الله من الله ورحمة الله وبركاته، لا إله إلاّ هو الذي هداني إلى الاِسلام، وقد بلغني كتابك، يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فوربّ السماء الأرض إنّ عيسى ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قربنا ابن عمّك وأصحابه، فأشهد أنّك رسول الله صادقاً مصدّقاً، وقد بايعتك وبايعت ابن عمّك وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين، وقد بعثت إليك يا نبي الله اريحا بن الأصحم بن أبحر، فإنّي لا أملك إلاّ نفسي، وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فإنّي أشهد أن ما تقول حقّا.


ثمّ بعث إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بهدايا، وبعث إليه بمارية القبطيّة، اُمّ إبراهيم، وبعث إليه بثياب وطيب كثير وفرس، وبعث إليه ثلاثين رجلاً من القسّيسين لينظروا إلى كلامه ومقعده ومشربه، فوافوا المدينة ودعاهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى الاِسلام فأمنوا ورجعوا إلى النجاشي(5).
وفي حديث جابر بن عبدالله: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم صلّى على أصحمة النجاشي(6).
__________
(1) الذحول: جمع ذحل، وهو الحقد والعداوة، يقال: طلب بذَحله، أي بثأره «الصحاح ـ ذَحل ـ 4: 1701».
(2) مريم 19: 25 و 26.
(3) قصص الأنبياء للراوندي: 322 | 322، وانظر: تاريخ اليعقوبي 2: 29، دلائل النبوة للبيهقي 2: 293، البداية والنهاية 3: 69.
(4) قصص الأنبياء للراوندي: 323 | 323 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 418 | 4.
(5) انظر: قصص الأنبياء للراوندي: 323 | 404، ودلائل النبوة للبيهقي 2: 308، والبداية والنهاية 3: 83، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 418 | 5.
(6) نقله المجلسي في بحار الأنوار 18: 420 | 6.