المؤلف : محمد حسين الصغير
الكتاب أو المصدر : الصوت اللغوي في القران
الجزء والصفحة : ص 185- 188.

توافرت طائفة من الألفاظ الدقيقة عند إطلاقها في القرآن ، وتتميز هذه الدقة بكون اللفظ يدل على نفس الصوت ، والصوت يتجلى فيه ذات اللفظ ، بحيث يستخرج الصوت من الكلمة ، وتؤخذ الكلمة منه ، وهذا من باب مصاقبة الألفاظ للمعاني بما يشكل أصواتها ، فتكون أصوات الحروف على سمت الأحداث التي يراد التعبير عنها.
يقول ابن جني (ت : 392 هـ) «فأما مقابلة الألفاظ بما يشكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع ، ونهج متلئب عند عارفيه مأموم ، وذلك أنهم كثيرا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر عنها ، فيعدلونها بها ، ويحتذونها عليها ، وذلك أكثر مما نقدره ، وأضعاف ما نستشعره ، ومن ذلك قولهم : «خضم وقضم ، فالخضم لأكل الرطب ...
والقضم لأكل اليابس» (1).
ونضع فيما يأتي أمثلة لهذا الملحظ في بعض ألفاظ القرآن العظيم :
1- مادة «خر» توحي في القرآن بدلالتها الصوتية بأن هذا اللفظ جاء متلبسا بالصوت على سمت الحدث في كل من قوله تعالى :
أ‌- {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ } [الفاتحة : 31].
ب‌- {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل : 26].
ج- {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ} [سبأ : 14].
د- { فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ } [ص : 24].


فإن هذا اللفظ وقد جاء بصيغة واحدة في عدة استعمالات ، يدل بمجملة على السقوط والهوي ، وهذا السقوط ، وذلك الهوي : مصحوبان بصوت ما ، وهذا الصوت هو الخرير ، والخرير هو صوت الماء ، أو صوت الريح ، أو صوتهما معا ، فالحدث على هذا مستل من جنس الصوت ، ومن هنا يستشعر الراغب (ت : 502 هـ) دلالة اللفظ الصوتية فيقول :
«فمعنى خرّ سقط سقوطا يسمع منه خرير ، والخرير يقال لصوت الماء والريح وغير ذلك مما يسقط من علو ،.
وقوله تعالى : { خَرُّوا سُجَّدًا } [مريم : 58] فاستعمال الخرّ تنبيه على اجتماع أمرين : السقوط ، وحصول الصوت منهم بالتسبيح ، وقوله من بعده‏ { وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } [السجدة : 15]. فتنبيه أن ذلك الخرير كان تسبيحا بحمد اللّه لا بشي‏ء آخر» (2).
ووجه الدلالة فيما يبدو أن الخرّ يأتي بمعنى السقوط من شاهق ، وأن الخرير إنما يستعمل لصوت الماء أو الريح أو الصدى محاكيا لهذا اللفظ في ترديده ، فلم يرد مجرد السقوط من «خر» وإنما أراد الصوت مضافا إليه الوقوع والوجبة في إحداث هذا الصوت ، وكانت هذه الإضافة الدلالية صوتية سواء أ كانت في صوت الماء ، أم بالوقوع والسقوط ، أم بالتسبيح.
واللّه أعلم.
2- مادة «صرّ» في كلمة «صر» من قوله تعالى :
{ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } [آل عمران : 117].
أو كلمة «صرصر» في كل من قوله تعالى :
أ- { وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ } [الحاقة : 6].
ت‌- {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ} [القمر : 19].


هذه المادة في هذه الصيغ الثلاث : مرفوعة ، مجرورة ، منصوبة ، وردت في القرآن وأنت تلمس فيها اصطكاك الأسنان ، وترديد اللسان فالصاد في وقعها الصارخ ، والراء المضعّفة ، والتكرار للمادة في صرصر ، قد أضفى صيغة الشدة ، وجسّد صورة الرهبة ، فلا الدف‏ء بمستنزل ، ولا الوقاية متيسرة ، وذلك ما يهد كيان الإنسان عند التماسه الملجأ فلا يجده ، أو النجاة فلا يصل شاطئها ، أو الوقاية من البرد القارس فلا يهتبلها.
في لفظ «الصر» ذائقة الشتاء ، ونازلة الثلوج ، وأصوات الرياح العاتية ، مادة الصر إذن : كما عبر عنها الراغب (ت : 502 هـ) «ترجع إلى الشدة لما في البرودة من التعقد» (3).


قال الزمخشري (ت : 538 هـ) : «الصر الريح الباردة نحو الصرصر ، وفيه أوجه :
أحدها : أن الصر في صفة الريح بمعنى الباردة ، فوصف بها القرة بمعنى فيها قرة صر ، كما تقول : برد بارد على المبالغة.
الثاني : أن يكون الصر مصدرا في الأصل بمعنى البرد فيجي‏ء به على أصله.


الثالث : أن يكون شبه ما كانوا ينفقون بالزرع الذي جسه البرد فذهب حطاما (4).
ولكننا نضع أيدينا على الحس الصوتي في اللغة ، فيعطينا دلالة خاصة ، مواكبة لسياق الحدث في هذا الصوت ، فريح صر وصرصر شديدة البرودة ، وقيل : شديدة الصوت ، وصر وصرصر : صوت الصرير.


قال ابن الأنباري في قوله تعالى : { كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} [آل عمران : 117]. فيها أقوال : أحدها : فيها صر أي برد ، والثاني فيها تصويت وحركة.


والصرة أشد الصياح تكون في الطائر والإنسان. وصر صماخه صريرا : صوّت من العطش ، وصرصر الطائر : صوت.


وفي حديث جعفر بن محمد الصادق عليه السلام‏ والصر عصفور أو طائر في قده ، أصفر اللون سمي بصوته ، يقال صر العصفور يصرّ إذا صاح وصر الجندب يصر صريرا ، وصر الباب يصر ، وكل صوت شبه ذلك فهو صرير إذا امتدّ ، فإذا كان فيه تخفيف وترجيع في إعادة ضوعف كقوله : صرصر الأخطب صرصرة ، كأنهم قدروا في صوت الجندب المد ، وفي صوت الأخطب الترجيع فحكوه على ذلك ‏(5).


فالصوت هنا ملازم ل (صر) و(صرصر) تارة في الشدة ، وأخرى في صوت الريح ، ومثلها في أشد الصياح ، وتارة في التصويت من العطش ، وسواها في تصويت الطائر ، وأهمها (الصر) سمي بصوته ، ويليه العصفور إذا صاح ، ومن ثم صرير الباب ، وصر الجندب ، وكل صوت يشبه ذلك في التخفيف أو الترجيع.


و«صر» في الآيات ليست بمعزل عن هذه المصاديق في الشدة والصوت والتصويت ، وتسمية الشي‏ء باسم صوته.
والذكر الحكيم حافل بالألفاظ دالة على الأصوات ، جريا على سنن العرب في تسمية اللفظ باسم صوته.
واللّه تعالى أعلم.
______________________
(1) ابن جني ، الخصائص : 1/ 65.
(2) الراغب ، المفردات : 144.
(3) الراغب ، المفردات : 279.
(4) الزمخشري ، الكشاف : 1/ 457.
(5) ظ : ابن منظور ، لسان العرب : مادة : صرر.