بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى.
1- ما الدليل التاريخي على وجوب التقليد؟ ومتى ولد التقليد تاريخياً؟
وهل صحيح أنّه لم يذكر في كتب التاريخ إلاّ قبل حوالي 200 سنة فقط؟
وهل صحيح أنّ أوّل من نادى بمفهوم التقليد هو الشيخ الأنصاري رحمه الله؟
الرجاء ذكر الكتب التي ورد فيها أصل وتاريخ التقليد والروايات المؤكّدة الواضحة في التقليد من الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت الكرام.
2- هل هنالك أيّ دليل على وجوب التقليد من القرآن الكريم وسُنّة الرسول وآل البيت؟ مع ذكر هذه الأدلّة.
3- ما الفرق بين التقليد والاجتهاد تاريخياً وشرعياً؟
4- ما حكم من لم يقلّد ولكنّه يأتى بالأعمال والفرائض، وهل يجوز إبطال أعمال هذا الشخص من أحد غير الله عزّ وجلّ؟
5- ما حكم من يرجع في مسألة شرعية إلى المراجع والعمل بالفتوى التي يراها مناسبة له في مختلف المسائل؟
6- هل يجوز السؤال عن الأدلّة الشرعية على فتوى من المرجع؟ وألا يعتبر عدم التمحيص مناف للعقل؟
الجواب:

إنّ الناس في زمن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفي زمن الأئمّة المعصومين الظاهرين(عليهم السلام) كانوا يرجعون إليهم صلوات الله عليهم أجمعين في معرفة الأحكام الشرعية، وهذا الذي يعمله الناس ما هو إلاّ تقليد منهم لهم صلوات الله عليهم، وفي بعض الأحيان يجعل الإمام بينه وبين الناس واسطة ممّن يعرف الأحكام الشرعية ويجيد فهم أقوال الإمام، فيكون واسطة لنقل الحكم من الإمام إلى الناس..
ففي رواية للإمام أبي جعفر(عليه السلام) أنّه قال لأبان بن تغلب: (اجلس في المسجد وافت الناس، فإنّي أُحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك)(1).
ويسأل أحد الرواة الإمام الرضا(عليه السلام) عن يونس بن عبد الرحمن: أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: نعم(2).
أمّا ما حصل في زمن الغيبة الصغرى، فإنّ الإمام(عجّل الله فرجه) عيّن شخصاً ليقوم مقامه في إيصال الأحكام إلى الناس، وهم السفراء الأربعة(3).
وأمّا ما حصل في زمن الغيبه الكبرى، فإنّ الإمام الغائب(عجّل الله فرجه) أرجع الناس إلى رواة حديث الأئمّة(عليهم السلام)، فقال: (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله عليهم)(4)، وقال الإمام الصادق(عليه السلام): (من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه)(5).
وقد برز مع بداية الغيبة الكبرى مجموعة من الفقهاء واستمرت الحال إلى الآن, ومن أولئك الفقهاء نذكر:
1- العيّاشي، صاحب التفسير، المتوفّى سنة (320هـ).
2- علي بن بابويه القمّي، المتوفّى سنة (329هـ).
3- ابن أبي عقيل العماني، أستاذ جعفر بن قولويه، عاصر السمري آخر السفراء توفّي سنة (369هـ).
4- ابن الجنيد الاسكافي، من أساتذة الشيخ المفيد، توفّي سنة (381هـ)، ويعرف هو وابن أبي عقيل بالقديمين؛ لأنّهما كانا في أوّل الغيبة الكبرى.
5- الشيخ المفيد، ولد سنة (336هـ) وتوفّي (413هـ).
6- السيّد المرتضى، ولد سنة (355هـ) وتوفّي (436هـ).
7- الشيخ الطوسي، ولد سنة (385هـ) وتوفّي (460هـ).
هؤلاء مجموعة من الفقهاء الذين عاصروا بداية الغيبة الكبرى، وكانت لهم مؤلّفات في الفقه، وكان الناس يرجعون إليهم في معرفة الأحكام الشرعية.
وقد بحث وكتب في تاريخ علم الفقه الشيخ محمّد علي الأنصاري في مقدّمته لكتاب (توضيح الرشاد في تاريخ حصر الاجتهاد) للآغا بزرك الطهراني، وكذلك الشيخ محمّد مهدي الآصفي في (مقدّمته لشرح اللمعة الدمشقية)، المعروفة بطبعة كلانتر، والشيخ علي آل كاشف الغطاء في كتابه (أدوار علم الفقه وأطواره)...(6).
وقد استدلّ الفقهاء على نفوذ الاجتهاد وحجّية فتوى المجتهد وعلى صحّة تقليد الجاهل له، بقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ المُؤمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَولا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَومَهُم إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِم لَعَلَّهُم يَحذَرُونَ ﴾ (التوبة:122)، فأوجب الله تعالى على طائفة التفقّه في الدين، وهو يشمل الاجتهاد وتحصيل الحجّة على الأحكام، وطلب من آخرين الحذر العملي من إخبار المنذرين، وهو يشمل التقليد.
على أنّنا لم نفهم من خلال أسئلتك هل تريد المسار التاريخي للاجتهاد والتقليد، أم تريد الأدلّة الشرعية المحدّدة لهما، فكان في سؤالك الأوّل نوع من الخبط، فأنت تسأل عن الدليل وتريده تاريخياً، ثمّ لا تعرف ما هو الفرق بين الدليل التاريخي والدليل الشرعي.
ونحن نقول: لا بدّ أن يكون سؤالك هكذا: ما هو المسار التاريخي للاجتهاد والتقليد؟ أو كيف بدأ الاجتهاد والتقليد؟ وهل هناك دليل شرعي على صحّته؟
وقد ذكرنا في أجوبتنا أنّه لا بدّ للإنسان من سلوك هذا الطريق، وهو التقليد من أجل الوصول إلى الأحكام الشرعية أو يجتهد أو يحتاط, وهذه الطرق يجدها الإنسان ضرورية للوصول للأحكام، وهذا يشمل جميع الديانات وجميع الفرق, فالكلّ يجد نفسه محتاجاً للرجوع إلى العلماء ذوي الاختصاص في فهم أحكام الدين الذي يعتنقه.
وما يذكر من أنّ أوّل من نادى بالتقليد هو الشيخ الأنصاري ناتج من سوء فهم! وذلك لأنّ المشكّكين لمّا لم يجدوا في الكتب الفقهية ذكر باب الاجتهاد والتقليد إلاّ عند الشيخ الأنصاري وما بعده، توهّموا أنّ أوّل من نادى بالتقليد هو الشيخ الأنصاري، في حين تجد فقهاءنا الذين سبقوا الشيخ الأنصاري كانوا يبحثون كتاب الاجتهاد والتقليد في الكتب الأُصولية، فعدم ذكرهم لباب الاجتهاد والتقليد في الكتب الفقهية بسبب أنّهم بحثوا ذلك في الكتب الأُصولية، لا أنّهم لا يدعون الناس إلى التقليد لمن لا يستطيع منهم الاجتهاد أو الاحتياط(7)!
أمّا من يعمل بالأحكام من دون تقليد، فإن أصاب حكمه الواقع فعمله صحيح، وإن لم يصب حكمه الواقع فإنّه مقصّر بسبب عدم تقليده، والحال أنّ هذا الشخص هو إمّا مقلّداً، يأخذ الأحكام ممّن علّمه تلك الأحكام، كالمعلّم أو الأب أو الأُمّ أو الأخ أو الصديق، ولكنّه لا يريد الاعتراف بأنّه مقلّد! بل يقبل أن يقلّد هؤلاء ولا يقلّد ذوي الاختصاص وهم الفقهاء والعلماء، أو هو مجتهد يبحث عن الحكم من خلال الكتب, فإن أخذ الحكم جاهزاً فهو مقلّد لصاحب الكتاب, أو فهم دليله الشرعي فهو مجتهد, ولكنّه إن استطاع فهم حكم واحد أو أكثر فإنّه لا يستطيع فهم كلّ الأحكام الشرعية إلاّ بالوصول إلى ملكة الاجتهاد التي لا تحصل إلاّ بدراسة مقدّمات كثيرة، وبعد قطع شوط طويل في طلب العلم.
أمّا ما يتعلّق باختيار مجتهد في كلّ مسألة شرعية فهو مرفوض؛ وذلك لأنّ أغلب الفقهاء يفتون بوجوب الرجوع إلى الأعلم من المجتهدين، والانتقال من مجتهد إلى آخر يوقعه في أخذ الأحكام من غير الأعلم.
نعم، يجوز له الانتقال من مجتهد إلى آخر... وفق ضابطة معينة، وهي: أنّ المجتهد الأعلم الذي يقلّده إن لم يكن له في المسألة حكم شرعي، بل يفتي بشيء معين وفق الاحتياط اللزومي أو الوجوبي، فإنّه يحقّ للمقلّد الرجوع إلى مجتهد آخر له فتوى في المسألة, ولكن لا بدّ أن يكون هذا المجتهد الذي يرجع إليه هو الأعلم من بين أولئك المجتهدين الذين يرغب في الانتقال إلى أحدهم.
أمّا ما يتعلّق بالسؤال عن الأدلّة الشرعية، فمن حقّ أيّ شخص السؤال عن ذلك، ولكن ذلك ليس بواجب عليه، ولا بدّ أن يكون السائل ممّن يجيد فهم تلك الأدلّة الشرعية.
… .. المصادر…
(1) رجال النجاشي: 10 باب الألف.
(2) اختيار معرفة الرجال 2: 784(935) أصحاب الرضا(عليه السلام).
(3) انظر: الغيبة للشيخ الطوسي: 354 الفصل (6).
(4) كمال الدين وإتمام النعمة: 484 الباب(45) ذكر التوقيعات، وسائل الشيعة 27: 140 الباب(11) حديث (33424) من أبواب صفات القاضي.
(5) وسائل الشيعة 27: 131 الباب(10) حديث (33401) من أبواب صفات القاضي.
(6) انظر: مدخل إلى علم الفقه للشيخ علي خازم: 16.
(7) انظر: رسائل المرتضى 1: 43، 2: 317، الذريعة إلى أصول الشريعة 2: 296 فصل في صفة المفتي والمستفتي، عدّة الأُصول 2: 727 الباب(11) الفصل (2)، مبادئ الأُصول: 246 الفصل (11) البحث(5) في جواز التقليد.