المؤلف : السيد جعفر مرتضى العاملي
الكتاب أو المصدر : مختصر مفيد أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة
الجزء والصفحة : ج3 - ص 86- 95


[نص الشبهة]
إن إثارة مسألة الولاية التكوينية وأمثالها لا تثير إلاّ الخلاف وإن الاشتغال بها هو اشتغال بغير الأهم وبأمرٍ يصدنا عن واجبنا وإنما علينا أن نشتغل بما هو واجبنا ونحتاج إليه في صلاح أمورنا وأمتنا. إنى يفيد البحث في الولاية التكوينية ونطاقها ومواردها وهل هو مطلق أو مقيد؟ هل نسأل في القبر عن هذه المسائل؟ نحن نضمن لكم إن أياً منا لن يسأل عن هذا الموضوع، إنما نسأل ماذا فعلنا بواجباتنا الاجتماعية؟ فإشغالنا بمثل هذا الأمر انحرافي وفيه مضيعة للوقت.
الجواب :
هناك أمور تحتاج إلى إيضاح وبيان، قبل أن نصدر أحكامنا عليها. ولا أريد أن أطيل في ذلك عليك، بل أكتفي بتسجيل الملاحظات التالية على رسالتك:
2 ـ إن معرفة ما يفيد من الموضوعات وما لا يفيد في قضايا الدين والإيمان ليس إلي ولا إليك، بل الله ورسوله والأئمة الطاهرون هم الأعرف بذلك.. فإن جاء البيان لأمر من الأمور عرفنا أنه مفيد لنا، ولا بد لنا من التعاطي معه على هذا الأساس.. وإن سكتوا عن أشياء فإننا لا نتكلفها، ولا نسعى إلى إثارتها..
فنحن نقول ما قاله الله ورسوله والأئمة، ونسكت عما سكتوا عنه.. ولا ندّعي أننا أعرف منهم، ولا نحدد لهم ما يقولونه، وما يسكتون عنه..
3 ـ لو صح المعيار الذي ذكرتموه، من أن اللازم هو الحديث بما فيه مصلحة فردية أو اجتماعية، فلماذا تحدث الله عن النملة التي سمعها النبي سليمان [عليه السلام]، تقول: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم.؟ وما فائدة الحديث عن أن الله قد أوحى إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون؟! وما فائدة الحديث عن الإسراء والمعراج؟! وما فائدة الحديث عن معجزات الأنبياء، و.. و.. إلخ؟!
5 ـ إن الاعتقاد بالولاية التكوينية يعرفنا مقامات الأنبياء والأئمة، ويؤثر على علاقتنا وارتباطنا بهم، [صلوات الله وسلامه عليهم]. فهو مهم جداً كأهمية ذكر فضائل الأنبياء والأوصياء [عليهم الصلاة والسلام].
وقد بين الله سبحانه مقام الشاهدية على الخلق للأنبياء، وغير ذلك من مقامات..
6 ـ إن طرح هذه الموضوعات إذا كان بالأسلوب العلمي الصحيح، وبالاستناد إلى الأدلة القرآنية، وإلى الحديث الشريف، فلماذا يثير الخلاف؟! فهل الناس معاندون للعلم ولقضايا الدين، والإيمان إلى هذا الحد؟! ولماذا لا تكون معرفة الحق وقضايا الدين سبباً في توحيد صفوفهم، وجمع شملهم على الحق، ولمِّ شعثهم به؟
7 ـ إنك قد لا تسأل في القبر عن الاعتقاد بالولاية التكوينية، ولكنك تكون قد حرمت من بركات الاعتقاد بها.
فإن هناك بعض الأمور العقائدية التي لا يعاقب الله الإنسان عليها لو غفل عنها، ولكن ذلك لا يعني أنه لم يحرم من أمر عظيم، سوف يتحسر على عدم نيله له.
8 ـ من الذي قال: إن الإنسان لا يُسأل في يوم القيامة عن هذا الأمر أيضاً؟! فإنه إذا أنكره سوف يُسأل عن مبررات إنكاره.
ومن المعلوم: أن الإنسان يطالب بإنكاره للأمر العقائدي.. الذي قامت الأدلة القرآنية عليه.. فإنه إذا لم يُلْزِمْهُ الله سبحانه بالبحث عنه للاعتقاد به، فإن ذلك لا يعني أن إنكاره سائغ له..
وبعبارة أخرى: إن الأمر الاعتقادي إما أن يثبت للإنسان بالدليل، فيجب عليه الاعتقاد.. أو يثبت له عدم صحته، فيجب عليه الاعتقاد بعدمه.. أو لا يثبت له صحته ولا عدمه ـ كما هو حال الغالب من عامة الناس ـ فيجب عليه التسليم، والاعتقاد بما هو عليه في الواقع، بأن يقول: أنا أعتقد بما يقوله الله ورسوله، وأهل البيت [عليهم السلام] في هذا الأمر، وإن كنت لا أعرفه تفصيلاً. ولا يجوز له إنكاره إبداً..
9 ـ قد ضمنت لنا: أن أياً منا لن يُسأل عن هذا الموضوع في القبر.. ولست أدري كيف أمكنكم إعطاء هذا التعهد. وقد قال تعالى: (أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً)( سورة مريم الآية 78).
10 ـ إنني أعيذك بالله أن تكون ممن يتساهل في قضايا الدين والإيمان .
ويقول: هذا مهم وذلك ليس بمهم.. فإن جميع قضايا الدين مهمة.. وليس المهم هو فقط ما فيه مصلحة فردية أو اجتماعية كما ذكرتم .
وقد أشرنا أن للاعتقاد بعقائد الحق أكبر المصلحة العائدة إلى الفرد، بل وهي ترجع بمصالح عامة أيضاً يفيد منها المجتمع إذا ما لاحظنا انعكاس طبيعة المعتقد على سلوك الفرد في مجتمعه، ومدى تأثير الرؤية الكونية والعقائدية للأفراد والمجتمعات على سلوكها وأخلاقها..
إننا مكلفون بالصلاة وبالصوم ومكلفون بالجهاد، وأعظم المسؤوليات الاجتماعية، ومكلفون أيضاً بأن يصافح بعضنا بعضاً، وبأن يبتسم بعضنا لبعض.. وبأن نلقي السلام، وأن نرد السلام على من سلّم.. ومكلفون أيضاً بأن نأكل باليد اليمنى، وأن نأكل مما يلينا، و.. و.. فلا يصح أن يقال: إن الاشتغال بمثل هذه الأمور عمل انحرافي.. فكيف إذا كان الحديث عن أمور يكون بها كمال إيمان المرء، وقد بينها الله سبحانه، والنبي [صلى الله عليه وآله]، والأئمة [صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين]، واهتموا بها في عشرات الموارد..
وفي الختام أقول : جمعنا الله وإياك على الحق، وعلى الصدق.. وجعلنا جميعاً من المتمسكين بحبل ولاية أهل البيت [عليهم السلام]، ورزقنا الله شفاعتهم، إنه ولي قدير.