المؤلف : قصص تربوية
الكتاب أو المصدر : محمد تقي فلسفي
الجزء والصفحة : ص 26

هارون الرشيد يَحنِث بأيمانه:
يُحكى أنَّ هارون الرشيد ، حَجَّ ماشياً ؛ وسبب ذلك أنَّ أخاه موسى الهادي ، كانت له جارية تُسمَّى غادر ، وكانت أحظى الناس عنده ، وكانت مِن أحسن النساء وجَهاً وغِناءً ، فغنَّت يوماً وهو مع جُلسائه على الشراب ، إذ عرض له سَهو وفكر ، وتغيَّر لونه ، وقطع الشراب .
فقال الجُلساء : ما شأنك ، يا أمير المؤمنين ؟
ـ لقد وقع في قلبي أنَّ جاريتي غادر يتزوَّجها أخي هارون بعدي .
ـ فقالوا : أطال الله بقاء أمير المؤمنين ، وكلُّنا فِداؤه .
ـ فقال : ما يُزيل هذا ما في نفسي ...
وأمر بإحضار هارون وعرَّفه ما خطر بباله ، فاستعطفه وتكلَّم بما ينبغي أنْ يتكلَّم به في تطييب نفسه ، فلم يقنع بذلك .
ـ وقال : لا بُدَّ أنْ تحلُف لي !
ـ قال : لأفعل .
وحلف له بكلِّ يمين يحلف بها الناس : مِن طلاقٍ ، وعِتاق ، وحجٍّ ، وصدقة ، وأشياء مؤكَّدةٍ ، فسكن .
ثمَّ قام فدخل على الجارية، فأحلفها بمثل ذلك، ولم يلبث شهراً ثمَّ مات.
فلمَّا أفضت الخلافة إلى هارون ، أرسل إلى الجارية يخطبها ...
ـ فقالت : يا سيِّدي كيف بأيمانك وأيماني ؟!!
ـ فقال: أحلف بكلِّ شيء حلفت به: مِن الصدقة، والعتق وغيرهما إلاَّ تزوَّجتك
فتزوَّجها، وحجَّ ماشياً ليمينه، وشُغف بها أكثر مِن أخيه، حتَّى كانت تنام فيُضجع رأسها في حِجره، ولا يتحرَّك حتَّى تتنبه، فبينما هي ذات ليلة، إذ انتبهت فزعة...
فقال لها: ما لك ؟!
فقالت : رأيت أخاك في المنام الساعة وهو يقول :
أخلفت وعدك بعدما جاورت سُكَّان المَقابر ونسيتني وحنثت في أيمانك الكذب الفواجر فظللت في أهل البلاد وغدوت في الحورالغرائز ونكحت غادرة أخي! صدق الذي سمَّاك غادرلا يهنك الإلف الجديد ولا تدُر عنك الدوائر ولحقت بي قبل الصباح وصرت حيث غدوتُ صائر ... والله ـ يا أمير المؤمنين ـ فكأنَّها مكتوبة في قلبي، ما نسيت منها كلمة.
فقال الرشيد : هذه أضغاث أحلام .
فقالت: كلاَّ ، والله ما أملك نفسي ... وما زالت ترتعد حتَّى ماتت بعد ساعة ( 1 ) .
___________
( 1 ) الطفل ، ج1 .