النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: القرآن الكريم والاجتهاد والتقليد

  1. #1
    عضو مميز
    الحالة : حفيد الحسين غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 14
    تاريخ التسجيل : 17-04-2013
    الاقامة : العراق
    الجنـس : ذكر
    المشاركات : 857
    التقييم : 10

    القرآن الكريم والاجتهاد والتقليد


    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
    الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى.
    ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ﴾ ( 1 ) .
    إن كل آية كريمة من آيات القرآن الكريم - حيث يلقي المتأمل عليها نظرة التأمل والإمعان - يجد فيها متسعا من البحوث للمتتبع من الباحثين ، فيأخذ منها ما يشاء لما يشاء ، ويعرف حينذاك أن فيه تبيان كل شئ بصورة لها أجلى جلاء وأوضح وضوح ، وإن من قليل ذاك الكثير في القرآن الكريم هذه الآية الكريمة - كما ستراه - .
    إن لهذه الآية أولا وآخرا ومبدء وختاما ، فمبدؤها والأول منها يأخذ دليلا لشئ ، وآخرها والختام يأخذ دليلا لشئ آخر ، أحدهما للاجتهاد والآخر للتقليد ، وسنعرفه في العاجل القريب .
    إن هذه الآية الكريمة دلت على وجوب التفقه في الدين ، ودليل الوجوب فيها هو وجود ( لولا ) التحضيضية والتحضيض حث على الطلب ، إذ هو الطلب الحثيث وليس معنى كونه طلبا حثيثا إلا عدم الرضا بتركه ، وليس معنى ذلك إلا الوجوب . إذن فالآية تدل على وجوب التفقه ، وليس التفقه في معناه إلا صيرورة المرء فقيها ، ولا يصير المرء فقيها بحق يحق له إطلاق اسم الفقيه إلا حيث يكون من الإحاطة بمسائل الفقه ووسائله بمكان وإلا حيث يكون بملكة يستطيع معها أن يرجع الفرع إلى أصله ، وأن يسلك إليه مسالكه عن طريق مداركه الخاصة ، ويكون بذلك من المستنبطين الذين أمر الناس بالرجوع إليهم في الآية والرواية ، وذلك هو الاجتهاد ، فقد دلت الآية - عن طريق هذا التوجيه - على طلب الاجتهاد في الأحكام والفروع .
    ولنا أن نقرر الآية بوجه آخر وعبارة ثانية ، هو أن نقول : إن قوله تعالى :* ( ولينذروا قومهم ) * إلى آخر الآية إن دل على شئ فإنما يدل على وجوب قبول
    المنذرين ، لإنذار المنذرين ، وإلا لغي وجوب الانذار إن لم يجب القبول ، وهذا بمعناه إرجاع الناس إلى الفقهاء لأخذ معالم الدين وفروع الأحكام ، ولا معنى لإرجاع العامي من الناس إلى عامي مثله يشاركه في قلة الاطلاع وقصور الباع ، وما يشاكل ذلك من جهالة ، فليس الارجاع إلا للمطلع المتتبع ، وهذا عبارة ثانية عن إرجاع المقلدين إلى المجتهدين . فمن هنا وهناك تجلى لنا على ضوء هذه الآية الكريمة دلالة على كلا الطريقين من الاجتهاد والتقليد ، فهاهنا مراحل :
    المرحلة الأولى : في تعريف الاجتهاد وما هو في معناه أو حقيقته .
    لا شك أن لهذا اللفظ أصلا في اللغة ، ومعنى اصطلاحيا لعرف الأصوليين خاصة تحمل المشقة بالنظر إلى ما في اللفظ من تاء الافتعال الدالة على التكلف في معنى كل لفظ حلت فيه هذه التاء ، وعرف في اصطلاح الأصوليين - حسبما نقل عن الحاجبي وعليه العلامة أعلى الله مقامه في كتابه " التهذيب في علم الأصول " بأنه استفراغ الوسع من الفقيه لتحصيل ظن بحكم شرعي ( 2 ) ، ولا يخفى على الفطن ملاحظة المناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي في هذا التعريف .
    وعرفه آخرون بأنه ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل ، فعلا أو قوة قريبة ، إلى غير هذا وذاك من حدود أو تعاريف ، والأمر في الإجابة عما أورد على تلك التعاريف في الطرد والعكس سهل علينا كل السهولة بعد أن قال شيخنا العلامة الآخوند ( قدس سره ) في كفايته : ولا يخفى أن اختلاف عباراتهم في بيان معناه اصطلاحا ليس من جهة الاختلاف في حقيقته وماهيته لوضوح أنهم ليسوا في مقام بيان حده أو رسمه ، بل إنما كانوا في مقام شرح اسمه والإشارة إليه بلفظ آخر وإن لم يكن مساويا له بحسب مفهومه كاللغوي في بيان معاني الألفاظ بتبديل لفظ بلفظ آخر ولو كان أخص منه مفهوما أو أعم . ومن هنا انقدح أنه لا وقع للايراد على تعريفاته بعدم الانعكاس والاطراد ، كما هو الحال في تعريف جل الأشياء لولا الكل ضرورة عدم الإحاطة بها بكنهها أو خواصها الموجبة لامتيازها لغير علام الغيوب ، فافهم . انتهى كلامه رفع مقامه .
    نعم ، هو ( رحمه الله ) أبدل تعريف المعرفين له بأنه استفراغ الوسع لتحصيل الظن ، أبدل لفظة " الظن " بلفظ الحجة ، حيث قال ره :
    وكيف كان ، فالأولى تبديل الظن بالحكم بالحجة عليه ، فإن المناط هو تحصيلها قوة أو فعلا لا الظن ، حتى عند العامة القائلين بحجيته مطلقا أو بعض الخاصة القائل به عند انسداد باب العلم بالأحكام فإنه مطلقا عندهم . يعني ( قدس سره ) عند العامة - أو عند الانسداد عنده - يعني ( قدس سره ) بعض الخاصة - من أفراد الحجة ، ولذا لا شبهة في كون استفراغ الوسع في تحصيل غيره - يعني غير الظن - من أفرادها - يعني من أفراد الحجة - من العلم بالحكم أو غيره مما اعتبر من الطرق التعبدية الغير المفيدة للظن ولو نوعا اجتهادا أيضا . انتهى كلامه رفع مقامه . ( 3 )
    المرحلة الثانية : ينقسم الاجتهاد إلى مطلق وتجزي ، ومن اسم كل منهما يعرف مسماه .
    وقد عرف الاجتهاد المطلق بأنه ما يقتدر به على استنباط الأحكام الفعلية من أمارة معتبرة ، وأصل معتبر ، عقلا أو نقلا ، في الموارد التي لم يظفر فيها بالأمارة المعتبرة ، والفرق بين الأمارة والأصل قد يأتيك في طي هذه البحوث أو غيرها من البحوث .
    ومقتضى التعبير بالأحكام يعني إتيان لفظ الأحكام جمعا معرفا باللام ، إن الملحوظ في الاجتهاد المطلق هو معرفة جميع الأحكام ، كما هو كذلك لإفادة الجمع المعرف باللام للعموم بالإجماع من علماء الأصول .
    ومن هنا يتجلى لك تعريف مقابل الاجتهاد المطلق وهو التجزي - كما عرف به - بأنه ما يقتدر به على استنباط بعض الأحكام .
    وحيث تعرف هذا ، فلتعرف أنه ينبغي هاهنا رسم أمور أو بحوث :
    الأول : انه لا إشكال ولا ريب في إمكان حصول الاجتهاد المطلق ، بل في حصوله بالفعل ، وقد حصل للكثير والكثير ، أما ما يحصل من بعضهم مما ظاهره عدم التمكن من الترجيح في المسألة وتعيين الحكم في تلك الحادثة الخاصة أو التردد منهم في بعض مسائل الحوادث العارضة فما هو إلا من أجل الحكم الواقعي في تلك الموارد ، إما لأجل عدم دليل مساعد عليه ، وإما لعدم الظفر به بعد الفحص عنه بالقدر اللازم من الفحص ومتابعة الجهود لا لقصر الباع أو قصور الاطلاع ، ولذلك لا نرى للمجتهدين أي تردد أو توقف في الحكم الفعلي لأي مسألة من المسائل .
    الأمر الثاني : انه لا إشكال أيضا في جواز العمل بهذا الاجتهاد لمن اتصف به في عمل نفسه ، وأما رجوع غيره إليه فلا إشكال فيه أيضا على وجه يتطلب تفصيلا لا يحتمله هذا الكتاب . وعلى الاجمال : فرجوع غيره إليه بعيد عن المحاذير ، وكما يرجع إليه في التقليد يرجع إليه في الأحكام وفصل الخصومات ، وحكمه حجة عليه وعلى مقلديه ، بل على غير مقلديه ، بل وعلى المجتهد الآخر المعترف له بجامعيته لشرائط الحكومة من الاجتهاد والعدالة .
    إذن ، فهناك جهات عمل في نفسه :
    [ الأولى : ] وهنا نقول : يجب على المجتهد المطلق العمل على ما يؤديه إليه اجتهاده ولا يجوز له - وهو على هذه الصفة - الرجوع إلى مجتهد آخر فاقه أو ساواه بلا كلام .
    الجهة الثانية : كون فتواه حجة على مقلديه ، وهذا أيضا لا إشكال فيه .
    والجهة الثالثة : كون حكمه حجة عليه ، وعلى مقلديه ، وعلى غير مقلديه من مقلدي غيره ، ومن المجتهدين الآخرين بالشرط السابق عليك .
    فالفرق بين ناحية الافتاء وناحية الحكومة ، هو أن ناحية الافتاء ناحية إبداء رأيه الشخصي المحصل له عن طريق القواعد والنصوص ، فلا يكون حجة إلا عليه وعلى مقلديه خاصة ، أما ناحية الحكومة فهي ناحية ظهوره بعنوان النيابة عن الإمام ( عليه السلام ) فكأنه ينطق بلسان الإمام وظاهر بمظهر المنصب الذي نصبه له الإمام ، فالرد عليه رد على الإمام ( عليه السلام ) كما سيأتيك إن شاء الله في المستقبل القريب .
    الأمر الثالث : في التجزي في الاجتهاد ، وفيه مواقع من الكلام هو الكلام السالف في الاجتهاد المطلق سواء بسواء :
    الموقع الأول : في إمكانه وهو محل الخلاف بين العلماء ، ولكن الحق الذي عليه أكثر المحققين إمكانه نظرا إلى أن أبواب الفقه مختلفة في المدارك ، والمدارك متفاوتة سهولة وصعوبة ، عقلية ونقلية ، مع اختلاف الأشخاص والأحوال في الاطلاع على تلك المدارك وطول الباع فيها أو قصر الاطلاع ، فكم شخص كثير الاطلاع طويل الباع في مدرك باب ، لمهارته في النقليات والعقليات بذلك الباب ، وليس هو كذلك في باب آخر لعدم مهارته تلك المهارة في ذلك الباب ، فهناك يحصل التجزي والتبعيض في القدرة أو الملكة في الاستنباط ، بل وهذا هو معنى التجزي في الاجتهاد . بل قال بعض المحققين الأعلام : يستحيل اجتهاد مطلق عادة غير مسبوق بالتجزي للزوم الطفرة وبساطة الملكة ، ثم قال ( قدس سره ) : وعدم قبولها - يعني الملكة - التجزئة لا يمنع من حصولها بالنسبة إلى بعض الأبواب بحيث يتمكن من الإحاطة بمداركه كما إذا كانت هناك ملكة الاستنباط في جميعها ويقطع بعدم دخل ما في سائرها به - يعني بحصول الملكة - أصلا أو لا يعتني باحتماله لأجل الفحص بالمقدار اللازم الموجب للاطمئنان بعدم دخله كما في الملكة المطلقة بداهة أنه لا يعتبر في استنباط مسألة معها - يعني مع الملكة - من الاطلاع فعلا على مدارك جميع المسائل ، كما لا يخفى . ( 4 ) انتهى كلامه رفع مقامه ، وفيه شئ من القياس لا يحتمله هذا الكتاب .
    الموقع الثاني من الكلام : في حجية ما يؤدي إليه على المتصف به ، ومعناه : أن الذي يؤدي إليه نظر المجتهد المتجزي يجب العمل على طبقه ، وتلزم الحركة على وفقه ، والأمر فيه كسابقه محل الكلام والخلاف ، والذي عليه بعض المحققين هو حجيته نظرا إلى أدلة مدارك الاجتهاد حيث لا اختصاص لها بالمتصف بالاجتهاد المطلق ، وهذا هو الصحيح .
    الموقع الثالث من الكلام : في جواز رجوع العامي إليه في كل مسألة اجتهد فيها هو ، وهذا أيضا كسابقيه محل الكلام والخلاف ، فإن قلنا : إن مدرك وجوب التقليد هو السيرة العقلائية ، وهو رجوع الجاهل إلى العالم فيما هو عالم به ، والمجتهد المتجزي ممن يصدق عليه هذا العنوان فنعمت حينذاك أدلة جواز التقليد هكذا . وإن قلنا بأن مدرك وجوب التقليد هو الأدلة اللفظية ، واستفدنا من تلك الأدلة الاطلاق أو العموم . أما لو قلنا بأن السيرة العقلائية لم يتم قيامها في مثل هذه الأحوال ، أو أن بناء العقلاء لم يقم على الرجوع إلى مثله ولا أقل من الشك في هذه
    الناحية ، والشك في المقام كاف في عدم جواز الرجوع ، ذلك أن بناء العقلاء أو السيرة العقلائية دليل لبي لا لسان له يتمسك عند الشك في عمومه وإطلاقه ، فلا بد في الشك في حصوله من الأخذ بالقدر المتيقن ، وهو الرجوع إلى المجتهد المطلق خاصة ، وهكذا الحال إن لم نستفد الإطلاق أو العموم من الأدلة اللفظية ، ونقول : إنها إنما سيقت لبيان أصل تشريع التقليد لا لبيان كيفيته ، كما هو الحال في كثير من الإطلاقات والعمومات ، هذا بالنظر إلى الرجوع إليه في فتواه ، أما الرجوع إليه في الحكومة ، ونفوذ تلك الحكومة في فصل الخصومة ، فالأمر فيه أشد إشكالا مما سبق من تلك المراحل والمسائل ، فإنك قد عرفت فيما سلف أن مقام الحكومة أعلى شأنا من قيمة الفتيا ، فإذا أشكل الأمر في الفتيا فكيف الحال في الحكومة ، هذا ولكن بعض المحققين نفى البعد عن نفوذ حكومته فيما إذا عرف جملة معتدا بها واجتهد فيها بأن يصح أن يقال في حقه عرفا إنه ممن عرف أحكامهم ، لكن في هذا الكلام نظر لا يحتمله اختصار هذا الكتاب .
    المرحلة الثالثة : في المجتهد فيه - يعني فيما يصح فيه الاجتهاد وما لا يصح فيه - المجتهد فيه عرف بأنه " كل حكم شرعي ليس عليه دليل قطعي " .
    هذا التعريف كسائر التعريفات مشتمل على جنس مدخل ، وعلى فصل مخرج ، فقولنا : " حكم " مدخل لكل حكم عقليا كان أو شرعيا . فقولنا : شرعي مخرج للأحكام العقلية ، حيث إن العقلية المحضة مثل قولنا : الكل أعظم من الجزء ، أو أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان . وهكذا الأحكام العقلية المقررة من قبل الشرع ، مثل قبح الظلم وحسن الاحسان ، لا تقع محلا لاجتهاد المجتهدين ، إذ هي غير قابلة للخلاف والاختلاف ، بل هي مما اتفقت عليها العقول ، وقولنا : ليس عليه دليل قطعي ، خرج ما كان عليه من الأحكام الشرعية قد دل عليه دليل قطعي ، وذلك قسمان :
    الأول : الأحكام الشرعية الأصلية ، وذلك كالمعتقدات الدينية التي أوجب الشارع الاعتقاد بها على الانسان عن طريق العلم القطعي الذي لا تدخله الظنون ، فمثل هذه لا تقع محلا للاجتهاد حيث هي مدلولة بالأدلة القطعية .
    والقسم الثاني : الأحكام الشرعية الفرعية التي قامت عليها الضرورة الدينية من المسلمين عامة مثل الصوم ، أو وجوب الصلاة ، أو حرمة الخمر والزنا ، أو غير ذلك من التكاليف القطعية من أفعال وتروك ، فمثل هذه أيضا لا تقع محلا للاجتهاد ، لأن أدلتها قطعية فلا تكون معرضا لاختلاف الأنظار والآراء ، فالذي يقع محلا للاجتهاد ويجوز للمجتهدين الاجتهاد فيه هو الأحكام الشرعية والفرعية التي لم يقم عليها دليل قطعي ، وذلك في الأحكام الشرعية الفرعية كثير .
    قال شيخنا أبو جعفر الطوسي شيخ الطائفة رضوان الله عليه في كتابه في علم الأصول المعروف ب‍ " العدة " ( 5 ) في أول بحث الاجتهاد :
    اعلم أن كل أمر لا يجوز تغييره عما هو عليه ، من وجوب إلى حظر - يعني منع - ومن حسن إلى قبيح ، فلا خلاف بين أهل العلم المحصلين أن الاجتهاد في ذلك لا يختلف ، وأن الحق فيه واحد ، وأن من خالفه ضال فاسق وربما كان كافرا ، وذلك نحو القول بأن العالم قديم أو محدث ، وإذا كان محدثا هل له صانع أم لا ؟
    والكلام في صفات الصانع وتوحيده وعدله والكلام في النبوة والإمامة وغير ذلك ، وكذلك الكلام في أن الظلم والعبث والكذب قبيح على كل حال ، وأن شكر المنعم ورد الوديعة والإنصاف حسن على كل حال ، وما يجري مجرى ذلك ، وإنما قالوا ذلك لأن هذه الأشياء لا يصح تغييرها في نفسها ولا خروجها عن صنعتها التي هي عليها . ألا ترى أن العالم إذا ثبت أنه محدث فاعتقاد من اعتقد أنه قديم لا يكون إلا جهلا ، والجهل لا يكون إلا قبيحا ، وكذلك إذا ثبت أن له صانعا ، فاعتقاد من اعتقد أنه ليس له صانع لا يكون إلا جهلا ، وكذلك القول في صفاته وتوحيده وعدله ، وكذلك إذا ثبت أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) صادق فاعتقاد من اعتقد كذبه لا يكون إلا جهلا ، وكذلك المسائل الباقية .
    وحكي عن قوم شذاذ لا يعتقد بأقوالهم أنهم قالوا : إن كل مجتهد مصيب ، وقولهم باطل بما قلناه .
    وأما ما يصح تغييرا في نفسه وخروجه من الحسن إلى القبيح ، ومن الحظر إلى الإباحة فلا خلاف بين أهل العلم أنه كان يجوز أن تختلف المصلحة في ذلك ، فما يكون حسنا من زيد يكون قبيحا من عمرو ، وما يقبح من زيد في حال بعينها يحسن منه في حالة أخرى ، ويختلف ذلك بحسب اختلاف أحوالهم وبحسب اجتهاداتهم ، وإنما قالوا ذلك لأن هذه الأشياء تابعة للمصالح والألطاف ، وما هذا حكمه فلا يمتنع أن يتغير الحال ، ولهذه العلة جاز النسخ ، ونقل المكلفين عما كانوا عليه إلى خلافه بحسب ما تقتضيه مصالحهم . انتهى ما أردنا نقله من كلامه زيد في علو مقامه .
    المرحلة الرابعة : في ما يحتاج إليه المجتهدون من العلوم التي تكون شرائط لتحقق الاجتهاد ، والضابط فيه تمكن المكلف من إقامة الأدلة على المسائل الشرعية الفرعية ، وقد قالوا : إنما يتم بأمور :
    أحدها : معرفة اللغة ومعاني الألفاظ الشرعية ، لكن لا بمعنى اشتراط معرفة الجميع ، بل المعرفة في الجملة كافية في المقام ، وهو معرفة ما يحتاج إليه في مقام الاستدلال ، وقد قالوا : لو راجع أصلا صحيحا عنده في معاني الألفاظ جازا ، ويدخل في اللغة معرفة النحو والتصريف ، وإنما احتاج المجتهد إلى ذلك لأن الشرع عربي ، ذلك أن مدركه هما الكتاب والسنة ، وكلاهما عربيان ، فهما مشتملان على خصائص اللغة العربية مادة وهيئة . إذن فمعرفتهما محتاجة إلى معرفة اللغة العربية ، ونظرا إلى أن معرفتهما واجبة فمعرفة اللغة العربية واجبة ، لأن ما لا يتم معرفة الواجب إلا بمعرفته ، معرفته واجبة .
    ثانيها : معرفة التفسير ، لكن بالصورة التي يحتاج إلى معرفة اللغة ، أعني : أن الجملة فيها كافية عن التفصيل ، وإنما وجب ذلك لأن معرفة علم التفسير معناه : معرفة مراد الله تعالى في كلامه ، وجهل ذلك جهل باستنباط الأحكام الشرعية ، في حين أن الكتاب الكريم أول مدرك لمعرفة الأحكام ، فكان لزاما على هذا معرفة علم التفسير بالضرورة ، ومن معرفة علم التفسير معرفة علم الكلام ، أعني : معرفة أصول العقائد عن طريق العلم والاستدلال ، وذلك أن معرفة مراد الله تعالى من اللفظ إنما يتم لو عرف أنه تعالى لا يخاطب بما لا يفهم معناه ولا بما يريد به خلاف ظاهره من غير بيان ، وإنما يتم ذلك لو عرف أنه تعالى حكيم وهو كذلك يتوقف على علمه تعالى بالقبيح واستغنائه عنه على العلم ، وإنما بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى أصول قواعد الكلام .
    قال آية الله العلامة الحلي في كتاب التهذيب في علم الأصول : وهذا لا يأتي على قواعد الأشاعرة .
    وأقول : إنما قال طيب الله ثراه ذلك لأن من مبنى قواعد الأشاعرة إنكار الحسن والقبح العقليين ، وعلى هذا المبنى لا ملزم عندهم بالتزام هذه الأشياء المذكورة ، ولكن الصحيح أن معرفة ذلك واجب حتى على رأي الأشاعرة فإن إنكار الأشاعرة للحسن والقبح العقليين إنما هو إذا كانا بمعنى استحقاق المدح أو الذم ، والثواب والعقاب في الآجل ، أما إذا كان بمعنى النقص أو الكمال فهم يلتزمون بهما بلا كلام ، ونظرا إلى أن تنزيه الله تعالى عن القبيح واتصافه تعالى بالحكمة هما من الحسن والقبح بمعنى النقص والكمال فهم قائلون بهما بلا إشكال .
    ثالثها : أن يكون عارفا بالأحاديث الدالة على الأحكام ، إما بالحفظ أو بالرجوع إلى أصل صحيح ، وأن يكون عارفا بأحوال الرجال ليعرف صحيح الأخبار من معتلها ، وأن يعرف أيضا من الكتاب ما يستفاد منه الأحكام وهو خمسمائة آية ولا يشترط حفظها ، بل معرفة دلالتها ومواضعها بحيث يجدها عند طلبها ، وعمدة ما يحتاج إليه هو علم الأصول بداهة أنه ما من مسألة إلا ويحتاج في استنباط حكمها إلى قاعدة أو قواعد برهن عليها في علم الأصول أو برهن عليها مقدمة في نفس المسائل الفرعية على ما هي طريقة المحدثين الأخباريين ، ولا يوجب تدوين علم الأصول على حدة أن يكون بدعة لعدم تدوينه في عصر الأئمة ( عليهم السلام ) وإلا كان تدوين الفقه والنحو والصرف وغيرها من كثير من العلوم بدعة ، وهذا ما لا يلزم به أحد .
    قال شيخنا شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي رفع الله درجته في فصل من بحث الاجتهاد ذكر فيه صفات المفتي وبيان أحكامهما ، قال ( قدس سره ) : لا يجوز لأحد أن يفتي بشئ من الأحكام إلا بعد أن يكون عالما به ، لأن المفتي يخبر عن حال ما يستفتيه فيه ، فمتى لم يكن عالما به فلا يأمن أن يخبر بالشئ على غير ما هو به ، وذلك لا يجوز ، فإذن لا بد من أن يكون عالما ، ولا يكون عالما إلا بعد أمور : منها : أن يعلم جميع ما لا يصح العلم بتلك الحادثة إلا بعد تقدمة ، وذلك نحو : العلم بالله تعالى وصفاته وتوحيده وعدله ، وإنما قلنا ذلك لأنه متى لم يكن عالما بالله ، لم يمكنه أن يعرف النبوة ، لأنه لا يأمن أن يكون الذي ادعى النبوة كاذبا ، ومتى عرفه ولم يعرف صفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز ، لم يأمن أن يكون قد صدق الكاذب ، فلا يصح أن يعلم ما جاء به الرسول . فإذن لا بد من أن يكون عالما بجميع ذلك .
    ولا بد أن يكون عالما بالنبي الذي جاء بتلك الشريعة ، لأنه متى لم يعرفه لم يصح أن يعرف ما جاء به من الشرع .
    ولا بد من أن يعرف أيضا صفات النبي وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه ، لأنه متى لم يعرف جميع ذلك لم يأمن أن يكون غير صادق فيما يؤديه ، أو يكون ما أدى جميع ما بعث به ، أو يكون أداة على وجه لا يصح له معرفته . فإذن لا بد من أن يعرف جميع ذلك .
    وإذا عرف جميع ذلك فلا بد أيضا أن يعرف الكتاب ، فإنه يتضمن كثير من الأحكام التي هي المطلوبة ، ولا بد من أن يعرف ما لا يتم العلم بالكتاب إلا به ، وذلك يوجب أن يعرف جملة من الخطاب العربي ، وجملة من الإعراب والمعاني ، ويعرف الحقيقة والمجاز والفرق بينهما لأنه متى لم يعرف ذلك لم يمكنه معرفة ما تضمنه الكتاب .
    ولا بد أن يعرف الناسخ والمنسوخ ، لأنه متى عرف المنسوخ ولم يعرف الناسخ اعتقد الشئ على خلاف ما هو به من وجوب ما لا يجب عليه ، وقد كان يجوز أن يعرف الناسخ وإن لم يعرف المنسوخ لأن المنسوخ لا يتعلق به فرضه وإن كان له في تلاوته مصلحة إلا أن ذلك على الكفاية ، غير أنه لو كان كذلك لم يمكنه أن يعرفه ناسخا إلا بعد أن يعرف المنسوخ إما على الجملة أو التفصيل .
    ولا بد أن يعرف العموم والخصوص والمطلق والمقيد ، لأنه متى لم يعلم ذلك لم يأمن أن يكون المراد بالعموم الخصوص وبالمطلق المقيد .
    ولا بد أن يكون عالما بأنه ليس هناك دليل يصرفه عن الحقيقة إلى المجاز ، لأنه متى جوزه لم يكن عالما به .
    ولا بد أيضا أن يكون عالما بالسنة ، وناسخها ومنسوخها ، وعامها وخاصها ، ومطلقها ومقيدها ، وحقيقتها ومجازها ، وأنه ليس هناك ما يمنع من الاستدلال بشئ من ظواهرها كما قلناه في الكتاب ، لأنه متى جوز ذلك لم يكن عالما بها .
    ولابد أن يكون عارفا بالإجماع وأحكامه ، وما يصح الاحتجاج به وما لا يصح .
    ولابد أن يكون عارفا بأفعال النبي ( صلى الله عليه وآله ) ومواقعها من الوجوب والندب والإباحة حتى يصح أن يكون عالما بما يفتي به ، فإن أخل بذلك أو بشئ منه ، لم يأمن أن يكون ما أفتى به بخلاف ما أفتى به ، وذلك قبيح .
    وقد عد من خالفنا في هذه الأقسام أنه لابد أن يكون عالما بالقياس والاجتهاد ، وأخبار الآحاد ، ووجوه العلل والمقاييس ، وإثبات الأمارات المقتضية لغلبة الظن وإثبات الأحكام . وقد بينا نحن فساد ذلك ، وأنها ليست من أدلة الشرع .
    انتهى شريف كلامه زيد في علو مقامه . ( 6 )





  2. #2
    عضو مميز
    الحالة : حفيد الحسين غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 14
    تاريخ التسجيل : 17-04-2013
    الاقامة : العراق
    الجنـس : ذكر
    المشاركات : 857
    التقييم : 10

    المرحلة الخامسة : في التخطئة والتصريف .
    اتفقت الكلمة بين العلماء على التخطئة في العقليات ، بمعنى أن المجتهد فيما يتعلق بالأحكام العقلية ، يجوز أن يخطئ ويجوز أن يصيب ، فليس بمصيب على كل حال ، وأما في الشرعيات - يعني الاجتهاد فيما يتعلق بالأحكام الشرعية - فقد اختلفت فيه الكلمة ، فذهب أصحابنا عامة إلى التخطئة في ذلك ، بمعنى جواز الخطأ على المجتهد فيما يتوصل إليه من الأحكام الشرعية ، وذلك نظرا لما وقع الاتفاق بينهم عليه ، وتضافرت بذلك النصوص وتواترت على ذلك الروايات ، من أن لله تعالى في كل واقعة حكما ثابتا لا يغيره علم ولا جهل ، ولا أثر فيه لاجتهاد المجتهدين بوجه من الوجوه ، والمجتهد قد يصل إليه وقد لا يصل إليه ، فيخطأ حينذاك أو يصيب .
    هذا مذهب أصحابنا عامة ، ويخالفهم في ذلك العامة ، فقد ذهبوا إلى أن كل مجتهد مصيب - على خلاف في كيفية هذه الإصابة - وعلى أي حال فإن كان غرضهم من هذه الإصابة هو الالتزام بإنشاء أحكام في الواقع بعدد الآراء ، بأن تكون الأحكام المؤدي إليها الاجتهادات أحكاما واقعية كما هي أحكام ظاهرية ، فقد ذهب هاهنا بعض الأعلام من الأصحاب بأن هذا لا محالية فيه ، وإنما هو مخالف لما تواتر من الأخبار ، مضافا إلى الاجماع على أن لله تعالى في كل واقعة حكما يشترك فيه العالم بلا خلاف ، وإن كان غرضهم منه الالتزام بإنشاء الأحكام على وفق آراء المجتهدين بعد الاجتهاد ، بمعنى أنه لا حكم هناك من رأس وإنما يخلق الحكم بعد اجتهاد المجتهدين ، ويحصل بعد حصول آراء المستنبطين . فهذا القول يحلل إلى وجهين ، فإن التزم ذلك بالنسبة إلى الحكم الواقعي - بمعنى أنه لا حكم حتى واقعا لولا الاجتهاد والاستنباط - فذلك مما يمنعه العقل ، وهو من المحالية بمكان ، إذ هو مضافا إلى ما عرفت مما سلف من مخالفته المتواتر من الروايات ، ومن الاجماع القائم على أن لله تعالى في كل واقعة حكما يشترك فيه الجميع ، يلزم منه أن لا يبقى موضوع لاجتهاد المجتهدين ، إذ ليس الاجتهاد في حقيقة واقعه وواقع حقيقته إلا استفراغ الفقيه وسعه لاستنباط الأحكام الشرعية من مداركها الخاصة ، فلا بد إذن من أن يكون حكم محفوظ لا يغيره علم ولا جهل يفحص المجتهد عنه ويبحث المستنبط عنه ليظفر به ، وليس حتما أن يصل إليه ، فقد يصل وقد لا يصل ، والحكم هو الحكم في كل تلك الأحوال والشؤون ، فإذا لم يكن للحكم عين ولا أثر - وهذا نتيجة حتمية لازمة لمن يرى هذا الرأي - فأي فحص حينذاك ؟ وأي استنباط ؟
    نعم ، إن أريد من الحكم هو الحكم الفعلي ، ومعناه أن المجتهد وإن كان يتفحص عما هو الحكم واقعا وإنشاء لكن ما يؤدي اجتهاده إليه يكون هو حكمه الفعلي حقيقة ، ونظرا إلى أن الحكم الفعلي هو عبارة عن الحكم الذي يتوصل إليه كل مجتهد حسبما يوصله إليه اجتهاده خاصة ، فلم يكن هو ذلك الحكم الذي يشترك فيه العالم والجاهل ، وليس هو بذلك الحكم الذي تتفق عليه الآراء ، بل هو مما يختلف باختلاف الآراء ، فالتصويب بهذا المعنى لا استحالة فيه ، وهذا هو المراد من كلام بعض الأعلام ان ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم ، لكن هذا إنما يتم - حسبما أفاده بعض المحققين - بناء على اعتبار الأخبار من باب السببية والموضوعية ، أما لو قيل باعتبارها من باب الطريقية - وهو الذي عليه أكثر المحققين والمحقين - فليس الأمر كذلك ، إذ مؤديات الطرق والأمارات المعتبرة على هذا الاعتبار ليست بأحكام حقيقية نفسية ، وليس معنى الحكم بحجيتها إلا تنجز مؤدياتها عند إصابتها والعذر عند خطئها فقط وليعلم أن هذا الذي ذكرناه من الخطيئة هو رأي أصحابنا الإمامية عامة .
    قال شيخنا الأكبر شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي نور الله ضريحه في كتابه " العدة في علم الأصول " عند هذا المقام : والذي أذهب إليه وهو مذهب جميع شيوخنا المتكلمين من المتقدمين والمتأخرين ، وهو الذي اختاره سيدنا المرتضى ( رحمه الله ) وإليه كان يذهب شيخنا أبو عبد الله ( قدس سره ) ، أن الحق في واحد وأن عليه دليلا ، من خالفه كان مخطئا فاسقا . ( 7 )
    وقال آية الله جمال الملة والدين في كتابه " التهذيب في علم الأصول " عند هذا المقام عند نقل ما هنالك من قول وكلام : لنا : إن إحدى الأمارتين إن ترجحت على الأخرى تعينت للعمل ، فالمخالف لها مخطئ وإن لم يترجح ، كان اعتقاد كل واحد من المجتهدين لرجحان أمارته خطأ أيضا ، ولأن المكلف إن كلف لا عن طريق كان حكما في الدين إما تشهيا أو بما لا يطاق وإن كلف عن طريق ، فإن خلا عن المعارض تعين وإلا فالراجح ، فإن عدم الرجحان فالحكم إما التساقط أو التخيير أو الرجوع إلى غيرهما . وعلى كل تقدير فالحكم معين ، فالمخالف له مخطئ فالمصيب واحد . انتهى كلامه علا مقامه . ( 8 )
    وقال ( قدس سره ) في كتاب " كشف الحق " عند البحث في الاجتهاد : ذهبت الإمامية إلى أن المصيب في الفروع واحد ، وأن لله تعالى في كل مسألة حكما ، وله عليه دليل إما قطعي أو ظني ، وأن المقصر في اجتهاده على تحصيل ذلك آثم ، وخالف فيه جماعة ، واضطرب كلام الفقهاء الأربعة : الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد ، فتارة قالوا بالتصويب لكل مجتهد ، وتارة قالوا كقولنا ، إن الأحكام تابعة للمصالح والوجوه التي تقع عليها الأفعال ، وذلك لا يكون إلا واحدا ولأنه لو كان كل مجتهد مصيبا لزم اجتماع النقيضين ، لأن المجتهد إذا غلب على ظنه أن الحكم هو الحل فلو قطع بأنه مصيب لزم منه القطع بالمظنون والاجماع من الصحابة على إطلاق لفظ الخطأ في الاجتهاد .
    قال أبو بكر : أقول في الكلالة برأيي ، فإن كان صوابا فمن الله تعالى ، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان . ( 9 )
    وقال عمر لكاتبه : اكتب : هذا ما رأى عمر ، فإن كان خطأ فمنه ، وإن كان صوابا فمن الله . ( 10 )
    وردت عليه امرأة في المغالاة في المهور ، فقال : أصابت المرأة وأخطأ عمر . ( 11 )
    وخطأ ابن عباس جماعة في قولهم بالعول ، وقال : من باهلني باهلته ، وإن الله تعالى لم يجعل في مال واحد نصفين وثلثا ، هذان نصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث ؟
    وأيضا الدليلان إن تساويا تساقطا وإلا وجب التراجح والإجماع على شرع المناظرة ، فلو لم يكن تبيين المطلوب مطلوبا للشارع لم يكن كذلك ، ولأن المجتهد طالب فلا بد له من مطلوب ، ولأنه يلزم اجتماع النقيضين لأن الشافعي إذا اجتهد وقال لزوجته الحنفية المجتهدة : أنت بائن ، ثم راجعها فإنها تكون حراما بالنظر إليها وحلالا بالنظر إلى الزوج ، وكذا لو تزوجها ولي ثم تزوجها آخر بولي . انتهى كلامه رفع مقامه .
    المرحلة السادسة : في أنه هل يجوز للنبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يعمل بالاجتهاد أو لا ؟
    الذي قامت عليه كلمة الطائفة الإمامية وانعقد إجماعهم عليه هو أنه لا يجوز ، أما إخواننا أهل السنة والجماعة فالأكثر - إن لم نقل الكل - جوزوه ، بل ادعوا الوقوع .
    ونحن لو حاولنا أن نقف أمام هذه المسألة موقف النقاش والحساب لا نرى وجها وجيها لما يدعون ، فقد عرفت فيما سلف حقيقة الاجتهاد ومعناه ومغزاه ومرماه ، وحقيقة الاجتهاد هي حقيقته عند الجميع ، وكيف تتفق تلك الحقيقة مع تجويزه على قدسية النبي الكريم ! فإن الاجتهاد استنباط الفقيه الحكم من طرقه القطعية أو الظنية ، وهذا بحقيقته وحاقه كيف يتفق وما أصحر به القرآن الكريم من قوله سبحانه : * ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى ) * ( 12 ) فمن حصر القرآن نطقه بالوحي ، ومن خص بالوحي أي حاجة له إلى استعمال الوسائل والوسائط التي لا يلتزمها الملتزمون إلا حيث يضطرون ، وهل الالتزام بهذا إلا اجتهاد في قبال النص ، وهل هو إلا تجويز الاجتهاد على النبي في قبال النص الصريح ، وهذا كما تراه من البطلان مراغمة لصراحة القرآن وجحد لنص الآيات * ( فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ) * ( 13 ) فالنبي الأكرم لا يصدر حكما شرعيا يشفعه في عقيدة أو
    عمل إلا عن طريق الوحي والالهام ، وهذا هو شأن الأنبياء ، وهكذا ينبغي أن يكون ، وما هنا وهناك مما ستعرفه في طوايا هذه البحوث ، مما عدوه أو زعموه من الاجتهاد ، فليس هو من الاجتهاد في قليل ولا كثير ، ذلك أنه منه ( صلى الله عليه وآله ) عمل لم يعلم وجهه ، فلعله لم يلتزم بتلك الحوادث - حيث التزم بها - لحكم شرعي شأنه شأن سائر الأحكام والتكاليف ، فلعله كان عملا شخصيا ألزم به نفسه لمصلحة تقتضيها تخصيصات الوحي الإلهي بنفسه القدسية الكريمة ، ولنفرض - جدلا - أن تلك الحوادث التزم بها التزامه بسائر الأحكام والتكاليف ، فهذا أيضا لا يبرر لنا أن نزجه في صغريات الاجتهاد ، فإن فعله ( صلى الله عليه وآله ) هو السنة ، وقد عرفت أنها مصدر من مصادر التشريع . إذن فهذا منه تشريع لا اجتهاد ، ثم ما يرد بعد ذلك عليه نسخ لذلك التشريع ، فإن السنة تنسخ بالكتاب على الرأي الشهير .
    وحيث إنك عرفت أن هذا - أعني منع تجويز الاجتهاد على النبي ( صلى الله عليه وآله ) - هو رأي الإمامية عامة فلنمتع الأسماع والأبصار بتشريفها وتشنيفها بما لهم من عبقات عطرات في كلمات خالدات تعميما للنفع وزيادة للفائدة لما في طواياها من بحوث وبحوث .
    قال آية الله في العالمين جمال الملة والدين العلامة الحلي أعلى الله درجته في كتابه المسمى ب‍ " التهذيب في علم الأصول " في بحث الاجتهاد .
    الحق أنه ( عليه السلام ) لم يكن متعبدا بالاجتهاد لقوله تعالى : * ( وما ينطق عن الهوى ) * ( 14 ) ولأنه قادر على تحصيل العلم ، فلا يجوز له العمل بالظن ، ولأن مخالفه كافر ، ومخالف المجتهد ليس بكافر ، ولأنه كان يتوقف في الأحكام على الوحي ، ولأن تجويز اجتهاده يفضي إلى تجويز اجتهاد جبرئيل ( عليه السلام ) فيندفع القطع بالوحي ، احتج الشافعي بأن العمل بالاجتهاد أشق ، ولقوله تعالى : * ( عفا الله عنك ) * ( 15 ) ولقوله ( عليه السلام ) : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي " ( 16 ) .
    والجواب : أن المشقة إنما يثبت اعتبارها مع التسويغ شرعا ، والعفو عن أصحابه ، أو أن الإذن شرط في الإباحة ، فصح استناد العفو منه ، وعدم سياق الهدي لا يدل على أن سياقه بالاجتهاد . ( 17 ) انتهى شريف كلامه ، زيد في منيف مقامه .
    وقال شيخنا شيخ الطائفة الشيخ أبو جعفر الطوسي رفع الله درجته في كتابه المسمى ب‍ " العدة في علم الأصول " عند بحث الاجتهاد :
    فصل : في أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) هل كان مجتهدا في شئ من الأحكام ، وهل كان يسوغ ذلك له عقلا أم لا ؟ وأن من غاب عن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في حال حياته هل كان يسوغ له الاجتهاد أو لا ؟ وكيف حال من بحضرته في جواز ذلك ؟
    اعلم أن هذه المسألة تسقط على أصولنا لأنا قد بينا أن القياس والاجتهاد لا يجوز استعمالهما في الشرع ، وإذا ثبت ذلك فلا يجوز للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ذلك ولا لأحد من رعيته حاضرا كان أو غائبا لا حال حياته ولا بعد وفاته استعمال ذلك على كل حال ، وأما على مذهب المخالفين لنا في ذلك فقد اختلفوا ، فذهب أبو علي وأبو هاشم إلى أنه لم يتعبد بذلك في الشرعيات ولا وقع منه الاجتهاد فيها ، وأوجبا كونه متعبدا بالاجتهاد في الحروب .
    وحكي عن أبي يوسف القول بأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد اجتهد في الأحكام ، وذكر الشافعي في كتاب الرسالة ما يدل على أنه يجوز أن يكون في أحكامه ما قاله من جهة الاجتهاد . وادعى أبو علي الاجماع على أنه لم يجتهد النبي ( صلى الله عليه وآله ) في شئ من الأحكام لم يجب أن تجعل أصلا ولا كفر من رده ، بل كان يجوز مخالفته كما يجوز مثل ذلك في أقاويل المجتهدين ، فلما ثبت كفر من رد بعض أحكامه وخالفه وساغ جعل جميعها أصولا ، دل على أنه حكم به من جهة الوحي ، وهذا الدليل ليس بصحيح ، لأنه لا يمتنع أن يقال : إن في أحكامه ( صلى الله عليه وآله ) ما حكم به من جهة الاجتهاد ومع ذلك لا يسوغ مخالفته من حيث أوجب الله تعالى اتباعه وسوى في اتباعه ذلك بين ما قاله بوحي وبين ما قاله من جهة الاجتهاد ، كما يقول من قال : إن الأمة يجوز أن تجمع على حكم من طريق الاجتهاد وإن كان لا يجوز خلافه ، وإذا ثبت ذلك لم يمكن التعلق بما حكيناه ، ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله تعالى : * ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى ) * ( 18 ) فحكم بأن جميع ما يقوله وحي يوحى ، فينبغي أن لا يثبت ذلك من جهة الاجتهاد ، والمعتمد ما قلناه أولا من عدم الدليل على ورود العبادة بالقياس والاجتهاد في جميع المكلفين وعلى جميع الأحوال .
    فأما من حضر النبي ( صلى الله عليه وآله ) فذهب أبو علي إلى أنه لا يجوز له أن يجتهد ، ويجوز ذلك لمن غاب . ومن الناس من يقول : إن لمن حضر النبي ( صلى الله عليه وآله ) أيضا أن يجتهد ، ويستدل على ذلك بخبر يروى أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أمر عمرو بن العاص وعقبة بن عامر أن يقضيا بحضرته بين خصمين ، وقال لهما : " إن أصبتما فلكما عشر حسنات وإن أخطأتما فلكما حسنة " ( 19 ) ، وهذا خبر ضعيف من أخبار الآحاد التي لا يعتمد في مثل هذه المسألة ، لأن طريقها العلم ، والمعتمد في هذه المسألة أيضا ما قدمناه من عدم الدليل على ورود العبادة بالقياس والاجتهاد ، وذلك عام في جميع الأحوال . ( 20 )
    انتهى شريف كلامه زيد في منيف مقامه .
    وقال أيضا جمال الملة والدين العلامة الحلي أعلى الله درجته في كتابه المسمى " كشف الحق " :
    ذهبت الإمامية - وجماعة تابعوهم - إلى أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) لم يكن متعبدا بالاجتهاد في شئ من الأحكام خلافا للجمهور ، لقوله تعالى : * ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) * ( 21 ) * ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) * ( 22 ) * ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى ) * ( 23 ) * ( قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) * ( 24 ) ولأنه لو كان مجتهدا في الأحكام لجاز لنا مخالفته للاجماع على أن حكم الاجتهاد ذلك ، ومخالفته حرام بالإجماع ، ولأن الاجتهاد قد يخطئ والخطأ من النبي ( صلى الله عليه وآله ) عندنا محال على ما تقدم في العصمة ، خلافا لهم ، ولأنه لو كان متعبدا بالاجتهاد لما أخر الأجوبة عن المسائل الواردة عليه حتى يأتيه الوحي ، لأنه تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو محال ، ولأنه لو كان متعبدا بالاجتهاد لزم أن يكون مرتكبا للحرام ، والتالي باطل فالمقدم مثله ، وبيان الملازمة أن الاجتهاد يفيد الظن ، والوحي يفيد القطع ، والقادر على الدليل القطعي يحرم عليه الرجوع إلى الظن بالاجماع ، ولأنه لو كان متعبدا بالاجتهاد لنقل ، لأنه من أحكام الشريعة ومن الأدلة العامة ، ولأنه لو كان متعبدا بالاجتهاد لنقل اجتهاده في كثير من المسائل والتالي باطل فالمقدم مثله . انتهى كلامه رفع مقامه .
    وقال القاضي ابن روزبهان في رده عليه :
    أقول : ذهب علماء السنة إلى أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان يجوز له الاجتهاد في بعض الأحكام ، وذلك لكونه قادرا على الاستنباط من أحكام الله تعالى ولا مانع له من ذلك ، واستدل هذا على عدم جوازه بوجوه :
    الأول : بالآيات الدالة على وجوب الحكم بما أنزل الله تعالى ، وبعدم النطق عن الهوى ، وبعدم جواز التبديل له من عند نفسه .
    والجواب : إن الآيات لا تدل على عدم جواز الاجتهاد لأن المجتهد يحكم بما أنزل الله ، لأن حكم الله إما مصرح أو مستنبط مما صرح به ، والاجتهاد من هذا القسم ، فهو حكم الله .
    الثاني : عدم جواز مخالفته ، مع الاجماع على جواز مخالفة المجتهد .
    والجواب : إن هذا الجواز في مجتهد لا يكون صاحب الشرع فإن ما حصل من الاجتهاد هو النص ، فكيف يجوز مخالفته .
    الثالث : جواز الخطأ على المجتهد ، بخلافه عليه الصلاة والسلام .
    والجواب : ما سبق أن هذا في مجتهد لا يكون قوله نصا ، ومن كان قوله نصا ، فلا يجوز أن يحكم عليه بالخطأ .
    الرابع : تأخير الأجوبة عن المسائل ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة .
    والجواب : ربما يكون التأخير لعدم حصول شرائط الاجتهاد والاشتغال بغيره من الشواغل الدينية مع أن هذا لازم في القول بعدم الاجتهاد ، للزوم نزول الوحي عند السؤال وعدم جواز التأخير ، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة ، ولو جاز في الوحي جاز في الاجتهاد .
    الخامس : لزوم ارتكاب الحرام لقدرته على اليقين عن الوحي والاقتصار على الظن حرام عليه .
    والجواب : منع إفادة اجتهاد الظن هذا في غيره من المجتهدين ، فلا يكون مقتصرا على الظن فيندفع المحذور .
    السادس : لو اجتهد لنقل لأنه من أحكام الشريعة .
    والجواب : إنه منقول ولا يعد دليلا على حدة ، لدخوله في مطلق الاجتهاد والنص .
    السابع : لو اجتهد لنقل اجتهاده في كثير من المسائل ، ولم ينقل .
    والجواب : إن مجتهداته داخلة في النصوص فذكرت في عددها . انتهى كلامه .
    وقال سيدنا المجاهد الشهيد القاضي نور الله تعالى مرقده في رده على ابن روزبهان :
    أقول : فيه نظر من وجوه :
    أما أولا : فلأن قوله : قادر على الاستنباط من أحكام الله تعالى ، مما لا محصل له ، وإنما الأحكام تستنبط من غيرها .
    وأما ثانيا : فلأن قوله : ولا مانع من ذلك ، ممنوع ، إذ رب فضيلة يتركها لمانع ، كما أنه ترك تعلم فضيلة الخط لئلا يقول الطاعن : إنه ينقل من كتب الأولين ، فجاز أن يترك الاجتهاد لئلا يقول الطاعن : إنه لو أوحي إليه لما اجتهد .
    وأما ثالثا : فلأن ما ذكره في الجواب عن الآيات فاسد لفظا ومعنى ، أما لفظا :
    فلأنه لا محصل لقوله : أو مستنبط مما صرح به ، عديلا لقوله ، وأما مصرح به ، فافهم .
    وأما معنى : فلأن كون الاجتهاد الذي وقع الاختلاف في نفيه وإثباته هو الاستنباط مما صرح به تعالى ، غير مسلم ، إذ الكلام في أنه هل يجوز للنبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يجتهد برأيه ومن تلقاء نفسه عند عدم الوحي الصريح والخفي أو لا .
    وأما فهمه ( صلى الله عليه وآله ) الحكم مما صرح به تعالى فلا يسمى اجتهادا ، ولو سمي به يكون خارجا عن محل النزاع ، على أن هذا الجواب لا يصير جوابا عن الآية الثالثة كما لا يخفى ، لأن الحكم المستنبط من الوحي بالاجتهاد لا يسمى وحيا ، وإلا لزم صحة أن يقال : المجتهدون من أمته ( صلى الله عليه وآله ) لا ينطقون عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، وهو ظاهر البطلان ، لأن الغرض من الآية أن كلامه ( صلى الله عليه وآله ) خال عن شائبة الريب ، وليس كلام المجتهد كذلك ، وأيضا يلزم جواز التنافي والتناقض على الوحي على حسب اختلاف اجتهاد المجتهدين في الأحكام ، وهو ظاهر البطلان .
    نعم ، الوحي هو الأمر بالاجتهاد عند عدم النص دون الحكم الحاصل بالاجتهاد والكلام فيه .
    وأما رابعا : فلأن ما ذكره في الجواب عن الدليل الثاني من أن هذا في مجتهد لا يكون صاحب الشرع ، فهذا تخصيص من خواص اختراعاته فإن الاجتهاد اصطلاحا هو استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي . وصرح الشارح
    العضد هاهنا بأن المجتهد فيه حكم ظني شرعي عليه دليل ، ولم يفرقوا بين اجتهاد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وغيره في جواز المخالفة ولا في حقيقة الاجتهاد ، وأما ما ذكره من أن ما حصل بالاجتهاد هو النص فكيف يجوز مخالفته ؟ ففيه : أنه إن أراد أن ما حصل من اجتهاد النبي قول منصوص لا يحتمل غير ما يفهم منه ، فهو لا يفيد كما لا يخفى ، وإن أراد أنه قانع فغير مسلم لأن المفروض أنه لم يحصل من الوحي ونصه ، بل حصل بالاجتهاد والظن ، وعلى تقدير الاجتهاد لا يعلم النبي ( صلى الله عليه وآله ) الحكم قطعا فكيف يحصل لغيره العلم به حتى لا يجوز خلافه .
    ولو قيل : إن اجتهاده ( عليه السلام ) يؤدي إلى القطع بخلاف اجتهاد غيره لكان هذا اصطلاحا جديدا يوجب جعل النزاع لفظيا ، وفيه ما فيه ، وبما ذكرنا في دفع هذا الجواب اتضح ما ذكرناه في الجواب عن الدليل الثالث أيضا ، فتأمل .
    وأما خامسا : فلأن ما ذكره في الجواب عن الدليل الرابع من أنه ربما يكون التأخير لعدم حصول شرائط الاجتهاد إلى آخره مدخول ، بأن المأخوذ في كلام المصنف ( قدس سره ) أنه كان يؤخر جواب المسائل إلى نزول الوحي بمعنى أنه بعد التأخير كان يجيب بأن الوحي نزل بكذا ، فلو كان جواب بعض المسائل بالاجتهاد لما اطرد التأخير والجواب على ذلك الوجه ، وأيضا التأخير في جواب المسائل كان كثير الوقوع ، وكان أكثر السؤالات عنه في مسجد المدينة شرفها الله تعالى من غيره اشتغال بأمر ديني أهم من جواب سؤال المسترشدين ، فاحتمال كون التأخير لأجل ما ذكر إنما يجري في النادر والكلام في الكثير الشائع .
    والحاصل : إن الشائع المستفيض من حاله ( صلى الله عليه وآله ) عند سؤال ما كان يؤخر الجواب عنه أنه كان بعد التأخير يأتي بالوحي من الله تعالى ، وما كان يرتب القياس الفقهي ، فليس لما ذكره الناصب من الاحتمال مجال أصلا ، كما لا يخفى . وأما ما زعمه من أن ما ذكره المصنف في تأخير الاجتهاد من لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة لازم في تأخير الوحي ، مردود بأن تأخير الوحي ربما جاز على الله تعالى لمصلحة كابتلاء القوم أو غضبه عليهم ، أو لأنه لا يجب عليه شئ - على قاعدة الأشعري - بخلاف تأخير النبي ( صلى الله عليه وآله ) في اجتهاده لجواب مسائل الأمة فإنه لا يصح تعليله بشئ من ذلك ، كما لا يخفى . ولو كان واجبا على الله تعالى جواب كل سؤال
    في زمان لدام الوحي بدوام السؤال ، ولكان الوحي نازلا عند سؤالنا عن تحقيق هذه المسألة ، وبطلانه أظهر من أن يخفى .
    وأما سادسا : فلأن جوابه عن الدليل الخامس هو الجواب عن الثاني والثالث ، والدفع الدفع ، فتذكر .
    وأما سابعا : فلأن ما ذكره في الجواب عن الدليل السادس مدفوع بأن المصنف قال في هذا الدليل ، أنه لو كان ( صلى الله عليه وآله ) متعبدا بالاجتهاد كان كذا ، لا أنه لو اجتهد كان كذا ، وفرق ما بينها ظاهر .
    والحاصل أنه ( صلى الله عليه وآله ) لو كان متعبدا بالاجتهاد لنقل عنه ( صلى الله عليه وآله ) أنه متعبد به ، وحينئذ ما ذكره الناصب من الجواب ، بعضه كاذب في مقابله ، وبعضه غير مرتبط به ، فتأمل .
    وأما ثامنا : فلأن ما ذكره في الجواب عن السابع ضعفه ظاهر جدا ، إذ لو كان مجرد دخوله في النصوص كافيا في ذكره في عددها من دون تمييز حكمه ونحوه ، لاكتفوا بذكر أقواله وأفعاله وتقريراته أيضا مجملا من غير تمييز بينها في الأحكام والأقوال ، مع أن هذا الناصب حكم بأن مجتهدات النبي ( صلى الله عليه وآله ) قطعية ، فالاهتمام بشأن المجتهدات القطعية وتمييزها من غيرها من المظنونات يكون واجبا . انتهى كلامه رفع مقامه .
    وأقول في ما ذكره جمال الملة والدين العلامة أعلى الله مقامه في ما ذكره ابن روزبهان وفيما ذكره سيدنا القاضي نور الله تعالى مرقده في هذا وذلك وذاك مواقع للتأمل والنظر ضربنا عن بيانها صفحا حبا بالاختصار ، وقد يظهر بعضها من مطاوي ما ذكرناه من كلام شيخنا شيخ الطائفة الشيخ أبي جعفر الطوسي نور الله ضريحه ، فلنأخذ بزمام اليراع إلى بحث آخر .





  3. #3
    عضو مميز
    الحالة : حفيد الحسين غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 14
    تاريخ التسجيل : 17-04-2013
    الاقامة : العراق
    الجنـس : ذكر
    المشاركات : 857
    التقييم : 10

    المرحلة السابعة : في التقليد ، وفيه بحوث :
    البحث الأول : في تحقيق حقيقة التقليد ، وتعريف معناه .
    التقليد في اللغة : هو عبارة عن أخذ القلادة ، أو جعل القلادة على شئ ، وهذا هو المراد منه في باب تقليد الهدي في باب كفارة الإحرام ، وقد استعير هذا المعنى لما نحن فيه ، إذ أن المقلد يجعل فتوى المجتهد قلادة له ، أو يجعل أمر حكمه الشرعي قلادة في رقبة المجتهد لتخلص المقلدين من أعباء تبعة الأحكام وإلقائها في رقبة المجتهدين .
    هذا من ناحية مفهوم الكلمة اللغوي أو اشتقاقها الصرفي أو استعارتها البيانية ، أما من ناحية مفهومها الاصطلاحي أو مصطلحها العلمي الجاري على ألسنة الأصوليين والفقهاء فأمر قد اختلف فيه .
    عرف بعض العلماء التقليد : بأنه هو أخذ قول الغير ورأيه للعمل به في الفرعيات ، أو للالتزام في الاعتقاديات تعبدا بلا مطالبة دليل على رأيه .
    فأنت ترى أن التقليد عرف هنا : بأنه الأخذ فقط ، وجعل العمل والالتزام نتيجتين أو ثمرتين لهذا الأخذ مترتبين عليه .
    وعرفه آخرون : بأنه الالتزام بفتوى مجتهد من المجتهدين ، فجعل التقليد نفس الالتزام .
    وعرفه ثالث : بأنه العمل بقول الغير وفتواه ، فلم يكتف بالأخذ ، ولم يقنع بالالتزام في تحقق حقيقة التقليد ومعناه ، بل جعله نفس العمل ، ونحن حيث نحاول فهم الحق أو تحقيق الحقيقة حسبما استفدناه من بحوث مشايخنا المحققين ، نرى أن القول بأن التقليد هو العمل ، أقرب إلى الحقيقة من القول بأنه هو أخذ الفتوى فقط والالتزام القلبي فحسب ، أو أخذ الرسالة من المجتهد وإن لم يعلم بأصل فتواه ، ليس التقليد هذا ولا ذلك ولا ذاك إنما هو كما مر وكما عرفت هو العمل على طبق فتوى أحد المجتهدين .
    نعم ، الأخذ أو الالتزام طريق إلى العمل برأي المجتهد لا موضوعية له في حقيقة التقليد ، كما ستراه وسترى أن مبدأ اشتقاق التقليد الصرفي أو استعارته البيانية يقضيان بما نقول ، ذلك إن جعل المقلد فتوى المجتهد قلادة له إنما يحققه العمل بها ، وصرف الالتزام بلا عمل لا يكون تقليدا لتلك الفتوى المتعلقة بالعمل ، فحقيقة التقليد في المقام لا تتحقق إلا بتحقيق العمل بداهة إن أخذ الحكم العملي للعمل لا يتحقق إلا بتطبيق العمل . أضف إلى ذلك أنه لو سألنا القائل بأن التقليد هو الأخذ بقول الغير : ما مرادك بهذا الأخذ ؟ وما هي حقيقة معناه ؟ فإن أردت بالأخذ هو مجرد العلم والاستعلام ، فهذا ليس بتقليد بلا كلام ، وإن أردت به الالتزام والتعبد بمقتضاه بحيث يكون هناك واجب آخر متعلق بالقلب من قبيل الالتزامات والتدينات ، فلزوم ذلك على المكلف ممنوع ، ولا دليل عليه ، وما بعث القائلين على القول بأن التقليد :
    هو الأخذ أو الالتزام إلا تخيل أن العمل مشروط بالتقليد ، بمعنى أنه يشترط في عمل المكلف أن يكون عملا عن تقليد ، فلو كان التقليد هو العمل كان العمل بلا تقليد ، أو حصل الدور المعروف ، هذا كل أو جل ما دعاهم إلى الالتزام بأن التقليد هو الأخذ أو الالتزام ، لكن دفع هذا الوهم هين يسير ، ذلك أن يقال : إن المعتبر في العمل هو وقوعه على وجه التقليد ، يعني صدوره مطابقا لرأي الغير عند المكلف ، فالعمل لا يتوقف على سبق التقليد ، ولا يلزم من عدم سبقه كون العمل بلا تقليد ، إذ صحة العمل لا تتوقف على أكثر من كونه صادرا ممن يرى مطابقته لفتوى الغير ولو كان ذلك عن طريق مقارنة العمل للأخذ والالتزام ، ولا ضرورة للالتزام بسبق هذا الأخذ والالتزام .
    البحث الثاني : في الدليل على جواز التقليد
    جواز التقليد يستدل عليه بالأدلة الأربعة : الكتاب ، والسنة ، والاجماع ، والعقل . وقد أضاف إلى ذلك بعض أعلام المحققين من العلماء : الفطرة والبداهة ، وستعرف كل ذلك تفصيلا في العاجل القريب .
    أما الكتاب : فيستدل منه بآيات ، منها قوله عز من قائل : * ( فاسألوا أهل الذكر ) * ( 25 ) لكن نوقش في دلالة الآية : أولا : بأن السؤال فيها إنما هو لغرض تحصيل العلم لا الأخذ تعبدا ، وإنما يستفاد منها الدلالة على جواز التقليد بناء على المعنى الثاني لا الأول . وثانيا : بأن سوق الآية يدل على أن المراد بالمسؤولين هم أهل الكتاب فلا علاقة لها في هذا المقام .
    أجيب عن الأول : بأن احتمال كون الغرض من السؤال هو تحصيل العلم لا الأخذ تعبدا احتمال ضعيف يدفعه عموم السؤال أو إطلاقه ، فلا بد من الأخذ بالعموم والاطلاق .
    وأجيب عن الثاني : بأن خصوصية الورود لا تخصص الوارد ، فيكون كقانون عام وموردها أحد المصاديق ، على أن رواة التفسير فسروها بأهل البيت أهل بيت العصمة من آل النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ويكون هذا قرينة على أنها لم تخصص بموقع السياق ومحل الورود .
    ومن الآيات التي استدل بها في المقام وعلى المقام " آية النفر " وهي الآية التي استفتحنا بها هذا الموضوع وجعلناها له فاتحة الكلام ، وقد أشكل عليها على حد ما أشكل على سابقتها ، والجواب الجواب سواء بسواء .
    أما السنة : فقد استدل منها بروايات عن الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) يدل بعضها على الموضوع عن طريق المفهوم والملازمة ، ذلك مثل الرواية الواردة عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) في شأن زرارة ، ومضمونها ، أو لفظها : هذا : " إني أحب أن أرى في أصحابي مثلك من يفتي الناس " ( 26 ) ولا ريب أن محبة الإمام ( عليه السلام ) لإفتائه أو إفتاء أمثاله تدل بالملازمة العرفية على وجوب اتباعه ، وإلا لغيت هذه المحبة ، أو لغي هذا الافتاء ، ولعل في الاستدلال بهذه الآية نظرا لا يحتمله اختصار هذا الكتاب .
    ومن تلك الروايات الواردة في المقام الرواية الواردة عن حادي عشر أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) الحسن بن علي العسكري عليه وعلى آبائه أزكى التحية وأسنى السلام ، وهذه هي الرواية الشريفة : " وأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه ، مخالفا لهواه ، مطيعا لأمر مولاه ، فللعوام أن يقلدوه " . ( 27 )
    هذا شئ أو بعض شئ من الروايات الواردة في المقام ، الدالة على وجوب التقليد ، أو جوازه عن طريق الصراحة ، أو طريق الملازمة ، وفي قليلها - ولا يقال له قليل - ما يغني عن الكثير ، فلنأخذ بالدليل الآخر وهو :
    الثالث من الأدلة : وهو الاجماع .
    ادعى جماعة من علمائنا المحققين الاجماع على وجوب التقليد أو جوازه ، فلا عبرة إذن ، بخلاف معتزلة بغداد حيث حكي عنهم أنهم قالوا : لا يجوز للمكلف أن يقلد المفتي ويرجع إلى فتياه ، وإنما ينبغي أن يرجع إليه لينبهه على طريقة العلم بالحادثة وأن تقليده محرم على كل حال ، ولم يفرقوا في ذلك بين الفروع والأصول ، لا عبرة بهذا الخلاف ، كما لا عبرة بخلاف جماعة من الشيعة الإمامية وجماعة من فقهاء حلب فأوجبوا على العوام الاستدلال واكتفوا فيه بمعرفة الاجماع والنصوص الظاهرة ، وأن الأصل في المنافع الإباحة ، وفي المضار الحرمة مع فقد نص قاطع في متنه ودلالته ، والنصوص محضورة ، نقل ذلك عن الشهيد أعلى الله درجته في ذكراه ، ورده ( قدس سره ) بأنه يدفعه إجماع السلف والخلف على الاستفتاء من غير نكير ولا تعرض لدليل .
    نعم ، ناقش في هذا الاجماع بعض أجلة المحققين من المتأخرين بأن تحصيل الاجماع في مثل هذه المسألة مما يمكن أن يكون القول فيه - لأجل كونه من الأمور الفطرية الارتكازية - بعيد ، والمنقول منه غير حجة في مثل هذه المسألة .
    ومهما يكن من أمر فإننا نعرض ونستعرض من أقوال أجلة علمائنا الكرام ما يكون برهانا واضحا على تحقق هذا الاجماع ، وأن دعواه دعوى مدعومة بدليل .
    قال شيخنا جمال الملة والدين أعلى الله درجته في كتابه المسمى ب‍ " التهذيب في علم الأصول " :
    الحق إنه يجوز للعامي أن يقلد في فروع الشرع ، خلافا لمعتزلة بغداد ، وجوزه الجبائي في مسائل الاجتهاد دون غيرها .
    لنا : قوله تعالى : * ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) * ( 28 ) أوجب التعليم على بعض الفرقة ، فجاز لغيرهم التقليد ، ولأن الحادثة إذا نزلت بالعامي فإن لم يكن مكلفا فيها بشئ فهو باطل بالإجماع ، وإن كان مكلفا فإن كان بالاستدلال فإن كان بالبراءة الأصلية فهو باطل بالإجماع ، وإن كان بغيرها فإن لزمه ذلك حين استكمل عقله فهو باطل بالإجماع ، وإن كان حين حدوث الحادثة لزم ذلك تكليف ما لا يطاق .
    أما مسائل الأصول فالحق المنع من التقليد فيها ، وجوزه قوم من الفقهاء .
    لنا : إنه ( عليه السلام ) مأمور به بالعلم فيجب علينا ، ولأن تقليد غير معلوم الصدق قبيح لاشتماله على جواز الخطأ ، وقبول النبي ( صلى الله عليه وآله ) من الأعرابي الشهادتين لعلمه تحصيل أصول العقيدة وإن لم يتمكن من التعبير عن تلك الأدلة والجواب عن تلك الشبهات .
    انتهى موقع الشاهد من كلامه ، زيد في علو مقامه .
    وقال شيخنا شيخ الطائفة أبو جعفر الشيخ الطوسي رفع الله درجته في كتابه المسمى ب‍ " العدة في علم الأصول " في هذا المقام ، قال ( قدس سره ) في جملة ما قال :
    وأما المستفتي فعلى ضربين :
    أحدهما : أن يكون متمكنا من الاستدلال والوصول إلى العلم بالحادثة مثل المفتي ، فمن هذه صورته لا يجوز له أن يقلد المفتي ويرجع إلى فتياه ، وإنما قلنا ذلك لأن قول المفتي غاية ما يوجبه غلبة الظن ، وإذا كان له طريق إلى حصول العلم فلا يجوز له أن يعمل على غلبة الظن على حال ، .
    وثانيهما : إذا لم يمكنه الاستدلال ويعجز عن البحث عن ذلك ، فقد اختلف قول العلماء في ذلك ، فحكي عن قوم من البغداديين أنهم قالوا : لا يجوز له أن يقلد المفتي ، وإنما ينبغي أن يرجع إليه لينبهه على طريقة العلم بالحادثة ، وأن تقليده محرم على كل حال ، وساووا في ذلك بين أحكام الفروع والأصول .
    وذهب البصريون والفقهاء بأسرهم إلى أن العامي لا يجب عليه الاستدلال والاجتهاد ، وأنه يجوز له أن يقبل قول المفتي ، فأما في أصوله وفي العقليات ، فحكمه حكم العالم في وجوب معرفة ذلك عليه ، ولا خلاف بين الناس أنه يلزم
    العامي معرفة الصلاة أعدادها ، وإذا صح ذلك وكان علمه بذلك لا يتم إلا بعد معرفة الله تعالى ومعرفة عدله ومعرفة النبوة ، وجب أن لا يصح له أن يقلد في ذلك ، ويجب أن يحكم بخلاف قول من قال : يجوز تقليده في التوحيد مع إيجابه منه العلم بالصلوات .
    والذي نذهب إليه أنه يجوز للعامي الذي لا يقدر على البحث والتفتيش ، تقليد العالم ، يدل على ذلك أني وجدت عامة الطائفة من عهد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وإلى زماننا هذا يرجعون إلى علمائها ويستفتونهم في الأحكام والعبادات ويفتونهم العلماء فيها ويسوغون لهم العمل بما يفتونهم به ، وما سمعنا أحدا منهم قال لمستفت : لا يجوز لك الاستفتاء ولا العمل به ، بل ينبغي أن تنظر كما نظرت وتعلم كما علمت ، ولا أنكر عليه العمل بما يفتونهم ، وقد كان منهم الخلق العظيم عاصروا الأئمة ( عليهم السلام ) ولم يحك عن واحد من الأئمة ( عليهم السلام ) النكير على أحد من هؤلاء ولا إيجاب القول بخلافه ، بل كانوا يصوبونهم في ذلك ، فمن خالف في ذلك كان مخالفا لما هو
    المعلوم خلافه .
    فإن قيل : كما وجدناهم يرجعون إلى العلماء فيما طريقه الأحكام الشرعية وجدناهم أيضا كانوا يرجعون إليهم في أصول الديانات ولم نعرف أحدا من الأئمة ولا من العلماء أنكر عليهم ، ولم يدل ذلك على أنه يسوغ تقليد العالم في الأصول .
    قيل له : لو سلمنا أنه لم ينكر أحد منهم ذلك ، لم يطعن ذلك في هذا الاستدلال لأن على بطلان التقليد في الأصول أدلة عقلية وشرعية من كتاب وسنة وغير ذلك ، وذلك كاف في النكير .
    وأيضا فإن المقلد في الأصول يقدم على ما لا يؤمن أن يكون جهلا ، لأن طريق ذلك الاعتقاد ، والمعتقد لا يتغير في نفسه عن صفة إلى غيرها ، وليس كذلك الشرعيات ، لأنها تابعة للمصالح ، ولا يمتنع أن يكون من مصلحتهم تقليد العلماء في جميع تلك الأحكام ، وذلك لا يتأتى في أصول الديانات .
    على أن الذي يقوى في نفسي أن المقلد للمحق في أصول الديانات - وإن كان مخطئا في تقليده - غير مؤاخذ به ، وأنه معفو عنه ، وإنما قلنا ذلك لمثل هذه الطريقة التي قدمناها ، لأني لم أجد أحدا من الطائفة ولا من الأئمة ( عليهم السلام ) قطع موالاة من سمع قولهم واعتقد مثل اعتقادهم ، وإن لم يسند ذلك إلى حجة عقل أو شرع .
    وليس لأحد أن يقول : إن ذلك لا يجوز لأنه يؤدي إلى الإغراء بما لا يؤمن أن يكون جهلا ، وذلك لأنه لا يؤدي إلى شئ من ذلك ، لأن هذا المقلد لا يمكنه أن يعلم ابتداء أن ذلك سائغ له ، فهو خائف من الإقدام على ذلك ، ولا يمكنه أيضا أن يعلم سقوط العقاب عنه فيستديم الاعتقاد ، لأنه إنما يمكنه أن يعلم ذلك إذا عرف الأصول ، وقد فرضنا أنه مقلد في ذلك كله ، فكيف يعلم اسقاط العقاب فيكون مغرى باعتقاد ما لا يؤمن كونه جهلا أو باستدامته ؟ وإنما يعلم ذلك غيره من العلماء الذين حصل لهم العلم بالأصول وسبروا أحواله ، وأن العلماء لم يقطعوا موالاتهم ولا أنكروا عليهم ، ولم يسغ ذلك لهم إلا بعد العلم بسقوط العقاب عنهم ، وذلك يخرجه عن باب الإغراء ! وهذا القدر كاف في هذا الباب إن شاء الله تعالى . ( 29 ) انتهى شريف كلامه زيد في علو مقامه ، وفي طواياه وخباياه فوائد يعرفها المستنبطون ، فإلى القارئ الكريم غنمها واغتنامها إن كان من العارفين ، وهاهنا وعند هذا المقام نختم الكلام وننتقل بالبحث إلى موضوع آخر هو :
    الرابع من الأدلة الدالة على جواز التقليد أو وجوبه : هو دليل العقل . وقد قرر هذا الدليل بهذا البيان : هو أن الطريق إلى معرفة الأحكام لا تخلو عن أحد أحوال ثلاث ولا رابع لتلك الأحوال ، وهي : الاجتهاد ، والاحتياط ، والتقليد .
    لا ريب في أن الاجتهاد متعذر أو متعسر إن أوجبناه على الناس كافة ، وقد عرفت فيما سلف كيف يكون التعذر أو التعسر في شأن الاجتهاد وتحصيله ، فليس هو بالهين اليسير ، غض النظر عن شأن الاجتهاد وما فيه ، وحوله إلى الاحتياط وما فيه ، تجد فيه العسر والحرج المنفيين في الشريعة الاسلامية كتابا وسنة ، فما هو ، وليس هو إذن إلا التقليد ، فهذا دليل جواز أو وجوب التقليد عن طريق العقل على الاجمال ، وبهذا تتم الأدلة الأربعة في المقام ، ولنطو صفحا عما هنا وهناك من كلام ونقض وإبرام .
    نعم ، أضاف إلى هذه الأدلة بعض المحققين من العلماء دليلا آخر هو في نظره الدليل الوحيد لما في سواه من نقاش وحساب ، ذلك هو دليل البداهة والفطرة ، ذلك أن التقليد في واقع حقه وحقيقته الواقعية ليس إلا رجوع الجهلاء فيما يجهلون إلى العلماء فيما يعلمون ، وهذا حكم الفطرة والبداهة في كل شأن لا في شأن الشرع والشرعيات خاصة ، فهو حكم الفطرة والبداهة قبل أن يكون حكم العقل والعقلاء وحكم الشرع والمتشرعين ، هذا هو الدليل الوحيد في نظر مستدليه ، ذلك لعجز الأدلة الاخر عن الوفاء بإثبات هذا الجواز أو الوجوب ، والمقلد في حيرة واضطراب في شأن تقليده لولا هذا الدليل ، وإلا فإما أن يثبت عن طريق الكتاب والسنة - ومفروض الحال أنه عاجز عما فيها من الدليل وكيفية الاستدلال - وإما أن يثبته عن طريق التقليد بأن يقلد في جواز التقليد ، فهذا التقليد ثبوته يحتاج إلى تقليد آخر ، فإما أن يتسلسل الأمر ، أو يدور ، وكلا الأمرين في البطلان سواء بسواء .
    أشكل عليه بعض المحققين أن التقليد لو كان دليله الفطرة والبداهة كان ذلك غير مستلزم للحكم الظاهري في حقه ، ذلك أن الرجوع إليه إنما هو لفهم الواقع والوصول إليه ، ولم يكن شأنه شأن سائر الطرق الشرعية التعبدية ، حيث إن المجعول فيها هو الحكم الظاهري ، فعليه يكون المتحقق من الرجوع هو ما إذا أفاده العلم أو ما يقوم مقامه من الاطمئنان ، ولم يكن حجته قول المجتهد إلا بلحاظ اخباره عن الواقع لا بلحاظ الإفتاء .
    هذا ، وفي المقام نظر تركناه رعاية للاختصار ، فلننتقل إلى موضوع آخر ذلك هو الكلام في اشتراط الأعلمية في مرجع التقليد .
    إن مسألة اشتراط الأعلمية في مرجع التقليد أمر لم يزل ولا يزال موضع الخلاف والاختلاف ، وموقع تضارب الآراء والأفكار بين علمائنا المحققين ، القدامى منهم والمحدثين .
    ذهب ذاهبون إلى جواز تقليد المفضول ولم تشترط الأفضلية في مرجع التقليد ، وذهب آخرون إلى اشتراط الأعلمية والأفضلية فيه ، وهؤلاء هم على خلاف في هذا الاشتراط ، ففريق اشترطه بوجه عام وبقول مطلق لم يخصصه ولم يقيده بحال ، وفريق خصص اشتراط الأعلمية في حال الاختلاف بين فتاوى المجتهدين .
    إذن فالمحصل من الأقوال ثلاثة :
    الأول : جواز تقليد المفضول .
    الثاني : وجوب تقليد الأفضل على وجه الإطلاق والعموم .
    الثالث : جواز تقليد المفضول إن وافقت فتواه الأفضل من معاصريه . هذه هي الأقوال - كما رأيت - فانظر الآن ما سنمليه عليك من أدلة كل على ما يدعيه ، ولكل وجهة هو موليها ، ولكل رأي هو رائيه .
    استدل القائلون بالجواز بوجوه :
    أحدها : إطلاق الأدلة اللفظية من النصوص الشرعية الدالة على جواز التقليد ، وقد مر عليك بعض تلك النصوص فإن مقتضى إطلاقها وأنها لم تقيد التقليد بشخص دون شخص ، هو شمولها لتقليد المفضولين من الفقهاء . أجاب المانعون عن ذلك بأنه لا إطلاق في تلك الأدلة ليتمسك به في المقام ، فإنها لم تسق مساق البيان لشروط التقليد وشؤونه لتنهض حجة على دعوى المدعين أن أقصى ما تنهض به هو بيان أصل مشروعية التقليد ، وقصارى المستفاد منها هو الارشاد إلى جواز الأخذ بقول العالم على الاجمال لا في كل حال .
    إذن فلا إطلاق ، وحيث لا إطلاق ، فلا دليل .
    الثاني : سيرة الأئمة ( عليهم السلام ) في إرجاعهم الناس إلى الرواة المنصوبين من قبلهم في الأقطار والأمصار بلا تخصيص في شخص خاص مع اختلاف مراتبهم العلمية واختلاف درجاتهم في المعرفة والفضيلة .
    أجيب عن ذلك بمنع هذه السيرة ، ونقول : إنه يؤيد هذا المنع تصريحات نصوص ستأتيك ، هي نص على خلاف هذه السيرة المدعاة .
    الثالث : هو لزوم العسر والحرج على المكلفين لو ألزموا بتقليد الأعلم ، لأن تعيينه من العسر بمكان وفي تشخيصه حرج على المتطلبين ، فهو منفي بنفي العسر والحرج في الشريعة ، المنصوص عليه في الكتاب والسنة بلا كلام .
    أجيب عن ذلك : انه لا عسر في ذلك ولا حرج ، ولو كان في تعيين الأعلم عسر ، وفي التشخيص الأفضل حرج ، لكان في تعيين أصل الاجتهاد عسر وحرج ولا قائل بذاك ، فما تعيين الأفضل بأكثر مؤنة من تعيين أصل الاجتهاد . أضف إلى ذلك أن العسر لو سلم فيقتصر نفيه على موقعه خاصة ولا يتسرب إلى ما لا عسر فيه .
    الرابع : حكم الفطرة والجبلة ، فإن المناط والضابط فيها هو رجوع الجاهل إلى العالم ، وكل من الأعلم والعالم عالم ، فيجوز الرجوع إلى كل منهما ، غاية الأمر : أنه لو اختلفا يكون من باب تعارض الطريقين ، فيعمل فيه ما تقتضي به قواعد التعارض .
    ويجاب عن ذلك بما سيأتي في طوايا أدلة المانعين ، ستراه .
    أما القائلون بالمنع المطلق فقد استدلوا أيضا بوجوه :
    أحدها : دعوى نقل الاجماع على تقليد الأعلم ، ورد بأن الاجماع قد يكون مستنده هو الأصل ، فلا يستكشف منه قول المعصوم ورأيه ، فلا حجية فيه ، هذا إن كان محصلا ، أما المنقول فلا حجية له في المقام من رأس .
    الثاني : الأخبار الدالة على إرجاع الأئمة ( عليهم السلام ) إلى الأعلم من أصحابهم عند الحكومة في فصل الخصومة ، وهي روايات منها المقبولة التي جاء فيها : سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) : رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث ، إلى أن قال : فإن كل واحد منهما اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا ناظرين في حقهما فاختلفا فيما حكما أو كلاهما اختلفا في حديثكم . فقال : " الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما ، وأصدقهما في الحديث ، وأورعهما ، ولا يلتفت إلى ما حكم به الآخر " ( 30 )
    الحديث .
    ومثل هذه الرواية : موسى بن أكيل ، عن الصادق ( عليه السلام ) ، عن رجل يكون بينه وبين أخ له منازعة في حق فيتفقان على رجلين يكونان بينهما فحكما فاختلفا فيما حكما . قال : " كيف يختلفان ؟ " قال : حكم كل واحد منهما للذي اختاره الخصمان .
    قال : " ينظر إلى أعدلهما وأفقههما في دين الله فيمضي حكمه " . ( 31 )
    ومثل هذه الرواية أيضا رواية داود بن حصين ، عن أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف فرضيا بالعدلين ، فاختلف العدلان بينهما ، عن قول أيهما يمضي الحكم ؟ قال : " ينظر إلى قول أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما فينفذ حكمه ، ولا يلتفت إلى الآخر " . ( 32 )
    هذه هي الروايات أو بعض الروايات الواردة في هذا المقام ، ورد الاستدلال بها بأن الارجاع إلى الأعلم في الحكومة وفصل الخصومة لا يستلزم الترجيح في مقام الافتاء ، ورد هذا الرد بأن المراد من الحكم في الروايات ليس هو الحكم المقابل للفتوى الذي معناه القضاء في فصل الخصومات الذي هو إنشاء لا إخبار عن الحكم الواقعي ، بل المراد به هو الاخبار عن حكم الله الواقعي ، فيعم حينذاك الفتوى والحكم الذي هو بمعنى فصل الخصومة والقضاء ، وبهذا يتم الاستدلال فيتم المطلوب . أضف أن هناك دعوى إجماع مركب في المقام ، فكل من قال بتقديم حكم الأعلم قال هو بتقديم فتواه ، فالقول بالفصل إحداث قول ثالث خارق لهذا الاجماع .
    الثالث : أن قول الأفضل أقرب من غيره جزما ، فيجب الأخذ به عند المعارضة عقلا ، وأنت ترى أن هذا الوجه كأنه تركب من صغرى وكبرى ، فالصغرى هي قولنا : إن فتوى الأفضل أقرب من غيره ، والكبرى هي قولنا : كل ما كان أقرب يجب الأخذ به ، وقد منع هذا الوجه بصغراه وكبراه .
    أما الصغرى فقد ردت بأن لا نسلم أقربية فتوى الأفضل من فتوى المفضول إلى الواقع ، فقد تكون فتوى غير الأفضل أقرب من فتوى الأفضل لموافقته لفتوى من هو أفضل منه ممن مات ، ولا يصغى إلى أن فتوى الأفضل هي في نفسها أقرب ، فإنها لو سلمت فلا تكون صغرى لهذه الكبرى المدعاة لبداهة أن العقل لا يرى تفاوتا بين أن تكون الأقربية في الأمارة لنفسها أو لأجل موافقتها لأمارة ثانية .
    وأما الكبرى : فقد ردت بأن ملاك حجية قول الغير تعبدا - ولو على نحو الطريقية - لم يعلم أنه القرب من الواقع ، فقد يكون ما هو في الأفضل وغيره سيان ، ولم يكن لزيادة القرب في أحدهما دخل من رأس فلا يتم الادعاء .
    الرابع : هو كون الرجوع إلى الأفضل هو القدر المتيقن ، وذلك لدوران الأمر بين التعيين والتأخير بداهة أنه الحجة على المكلف إما أن تكون هي فتوى الأعلم فقط ، فالحكم - إذن - هو التعيين ، وإما أن تكون الحجة كلا القولين ، فالحكم التخيير ، وعلى كل تقدير تكون فتوى الأعلم حجة على كل حال فالأخذ بها متعين بلا كلام ، ورد هذا الاستدلال بأن هذا الدوران المذكور فرع كون الأعلمية مرجحة إما عقلا وإما نقلا ، وهو أول الكلام لعدم الدليل عليه ، فيكون أشبه شئ بالمصادرة على المطلوب .
    هذا ما أردنا البحث عنه في هذا الموضوع على الاجمال ، فلننتقل إلى موضوع آخر وهو اشتراط الحياة في المفتين :
    هذه المسألة على حد المسألة السابقة ، وفيها ما فيها من الخلاف والاختلاف ، لكن يضاف إلى الخلاف هنا : أن اشتراط الحياة في المفتين خصصه بعضهم بالتقليد الابتدائي وجوز البقاء ، وبعضهم عممه في الابتداء والاستدامة ، وعلى كل فالبحث في المسألة يجب أن يكون على وجهها العام ، إما الجواز العام أو المنع العام .
    المعروف بين الكثير - بل الأكثر من الأصحاب - هو اشتراط الحياة ، والمعروف بين أهل السنة والجماعة هو عدم هذا الاشتراط وهو خيرة الأخباريين من الشيعة الإمامية ، وإلى ذلك ذهب فريق من أصحابنا المجتهدين .





  4. #4
    عضو مميز
    الحالة : حفيد الحسين غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 14
    تاريخ التسجيل : 17-04-2013
    الاقامة : العراق
    الجنـس : ذكر
    المشاركات : 857
    التقييم : 10

    استدل المانعون من تقليد الأموات بوجوه :
    أحدها : الأصل ، ومعناه أصالة عدم تقليد الميت ، وقرر هذا الأصل على وجوه :
    أولها : أن التكليف بالتقليد ثابت ، بمعنى أن الدليل دل على وجوب تقليد العوام ، فيجب على العامي الخروج عن عهدته ولا يعلم أنه يخرج عن عهدته بتقليد الميت ، أو نقول : إنه يتعين عليه الخروج عنه بتقليد الحي فيجب الاقتصار عليه لأنه القدر المتيقن ، فتكون المسألة من صغريات مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير في المكلف به ، ويكون المختار هو التعيين .
    الثاني : أن التكاليف من العبادات والمعاملات ثابتة على المكلف ، فيجب الخروج عن عهدتها بنحو القطع واليقين ، أما في العبادات فللزوم الإتيان بما هو المأمور به واقعا ، وفي المعاملات فللزوم الإتيان بما هو مؤثر شرعا ولا يخرج عن عهدتها كذلك إلا بتقليد الحي .
    قال بعض المحققين : إن تمامية هذا موقوفة على عدم أصل سببي حاكم عليه ، لأن الخروج عن العهدة وعدم الخروج عنها متبينة ومسببة على ثبوت الحجية وعدم ثبوتها ، ولو كان هنا أصل يكون هو الجاري دون الأصل المسببي .
    الثالث : أنه لا إشكال شرعا وعقلا في حرمة التعبد بما وراء العلم ، خرج عنها فتوى الحي إجماعا وبقي الباقي ، والشك في الحجية كاف في حرمة التعبد به ، وهذه قاعدة ثانية من العقل والشرع كتابا وسنة وإجماعا .
    الثاني : الاجماع على عدم جواز تقليد الأموات ، فالمعتزل عن المحقق الثاني بلسان عدم الخلاف بين علماء الإمامية ، ونقل عن جماعة نقل الاجماع بلسان الاجماع ، وفي المعالم : ظاهر الأصحاب عليه ، والمخالف له هنا من العامة ، بل نقل إجماع عن علماء أهل السنة والجماعة ، فعن المنهاج للبيضاوي دعوى الاجماع عليه ، وعلى أي حال فدعوى هذا الاجماع تلقي عهدتها على مدعيها ، وإلا فالمحصل قد يناقش في تحصيله والمنقول غير مقبول في المقام .
    الثالث : أن تقليد الحي هو القدر المتيقن من الخروج عن عهدة التكليف ، وفيه : إن هذا راجع إلى بعض الوجوه السابقة في تقرير الأصل المذكور .
    هذه هي أدلة المانعين من تقليد الأموات ، أو بعض ما استدلوا به على ما يدعون ، فلننتقل إلى استعراض أدلة المجوزين : استدل المجوزون بوجوه : منها : استصحاب تقليده في حال حياته ، ورد هذا الاستدلال بأنه لا مجال لهذا
    الاستصحاب ، فإن من أهم شرائط الاستصحاب بقاء الموضوع ، وتحقيق الموضوع أمر بيد العرف لا بالنظر إلى الواقع ، والعرف لا يرى بقاء الموضوع عند الموت ، بل يرى العرف انعدام الشخص ، فلا بقاء للموضوع بهذا الاعتبار ، وما يقال من بقاء النفس الناطقة بعد الموت لا ينفع في المقام قدر نقير ، لما عرفت من أن الموضوع مرجعه العرف لا الدقة العقلية الفلسفية ، يضاف إلى ذلك : أن بقاء النفس الناطقة لا يوجب القطع ببقاء الرأي الذي هو مناط التقليد .
    ومنها : إطلاق الأدلة الدالة على التقليد من الآيات والروايات . ورد هذا الاستدلال :
    أولا : بأنه لا دلالة لها على التقليد من رأس ، كما مر الكلام فيه .
    وثانيا : بأنه لا إطلاق فيها على تقدير تسليم الدلالة ، وإنما هي مسوقة لبيان أصل التشريع .
    ومنها : دعوى السير على البقاء ، فإن المعلوم من أصحاب الأئمة ( عليهم السلام ) عدم رجوعهم عما أخذوه تقليدا بعد موت المقلدين ، ورد هذا الاستدلال بمنع قيام السيرة على ما هو محل الكلام ، وأصحابهم ( عليهم السلام ) إنما لم يرجعوا عما أخذوه من الأحكام لأجل أنهم غالبا ما كانوا يأخذونها ممن ينقلها عنهم ( عليهم السلام ) بلا واسطة أو بواسطة لا يتدخل رأيه فيما ينقله من رأس ، فليس هو من التقليد لا في قليل ولا كثير ، إذ هو ليس أخذا بالرأي إنما هو أخذ بالرواية .
    هذا شئ أو بعض شئ مما له صميمية أو مسيس ارتباط إلى بحوث الاجتهاد والتقليد ، عرضناه واستعرضناه على نحو يتناسب واختصار هذا الكتاب .
    ونحن وقد بلغنا في الموضوع حد الختام فلنأخذ بعرض واستعراض شئ أو بعض شئ من الحكمة التشريعية المتعلقة بموضوع الاجتهاد والتقليد نعرضها أو نستعرضها أيضا على نحو يتناسب واختصار هذا الكتاب .
    شرع المشرع المقدس الاجتهاد لمن يقدر عليه من المتمتعين بقوة الموهبة ، وهبة الذكاء ، ورغبة النفس ، وفراغ الزمن ، واتساع الظروف على نحو يتلاءم ونظام المعاش والمعاد ، شرع الشارع المقدس الاجتهاد لمن يتمتع بهذا وذلك وذاك تحريرا للأفكار عن الجمود ، وتحريكا لها عن الركود ، وتعزيزا لها عن الخمود ، واطلاعا لها على الأشياء بتفصيل ، وإشباعا لها بتحمل مصادر الأحكام ومواردها عن الدليل ، وليجدد المجددون للأجيال بعد الأجيال من أحكام الحوادث وحكم الوقائع ما يتسع به نطاق التشريع كل الاتساع للمتشرعين ، نظرة بعد نظرة ، وفكرة إثر فكرة ، ثم من بعد ذلك أعمال هم لها عاملون ، بها يتجلى سر التشريع بأجلى مظاهره التي منها عليها شواهد وشواهد بصدق التشريع والمشرعين ، وهناك وقد تجلت كل التجلي ، ووضحت كل الوضوح ، يتجلى الخطاب المنبعث عن لهجة الإيمان والاطمئنان لا بلهجة موروثة الأبناء عن الآباء : * ( ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ) * ( 33 ) .
    وإذ كانت النفوس غير متفقة ولا متحدة في المواهب والرغبات ، ولا العقول متحدة في التقبل والنضوج ، ولا الأفهام متساوية في التحمل والانتقاش ، ولا الظروف متسعة لكل شخص في كل حال ، كان تكليف جميع الناس في الالزام بالأخذ بطريقة الاجتهاد عسرا وحرجا على المكلفين ، فتحقيقا لليسر الذي أراده الله تعالى بعباده بصريح كتابه : * ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) * ( 34 ) ورفعا للحرج الذي نفاه في محكم قرآنه : * ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) * ( 35 ) وكتاب الله في ذلك مشفوع بسنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حيث يمتدح النبي الأكرم بقوله ( صلى الله عليه وآله ) : " جئتكم بالشريعة السمحة السهلة " . ( 36 ) كان لزاما من هذا وذلك وذاك أن يشرع الشارع المقدس للمكلفين في تناول الأحكام - وهم مكلفون بها على كل حال - طريقا سهلا سمحا لاعنت فيه ولا عناء ، ذلك أن يتبع المكلف مكلفا آخر في أخذ الأحكام والتكاليف ، وذلك هو التقليد ، فهذه هي حكمة الاجتهاد تتبعها حكمة التقليد .
    أضف إلى ذلك : أن في خلق عنواني المقلد والمقلد خلق ضمان اجتماعي تتبعه شؤون وشؤون ، وترى أن الشارع المقدس توسل إلى تكوين الضمانات الاجتماعية بمختلف الوسائل والعناوين ، فهناك إمام ومأموم ، وهناك مالك ومملوك ، وهناك مقلد ومقلد ، إلى أمثال هذه الوسائل الموصلة إلى التضامن والتعاون ، وتكاتف بعض الناس مع بعض وجعلهم إخوانا متمتعين بالاخوة بمعناها الصحيح ضمان واتفاق ووقوف عند رأي واحد يخضع له الجميع ، فلا فوضى ولا تفكك ولا اضطراب ، فهناك الحب المتبادل ، وهناك الهدوء والأمن والسلام ، ثم هي الأخرى من تلك الفوائد والحكم أن من يخول ذلك المنصب الإلهي الخطير ، ويكون المرجع العام للناس أجمعين ، ويرونه الحجة في القول والعمل والامضاء والتقرير والتحرير سيقودهم إلى ما فيه الخير والسعادة ، والنجاح والفلاح ، يسير بهم في المحجة الواضحة والطريق اللاحب المنير ، يوردهم موارد البر ، ويتبعهم إلى مصادر الخير ، ويهديهم سواء السبيل ، يحرص عليهم حرص الوالد الحنون ، ويكون منهم كعضو من جسم ، إن تألم تألم الجميع ، وإن صح صح الجميع ، لا يحمل فكرة الأثرة ، بل لا يحلم بالاستغلال ، ينطق بالصدق بلسان الحال قبل لسان المقال ، ويعمل للحق أينما كان وحيثما يكون ، القريب والبعيد عنده سواء ، يدعو إلى الوحدة والتوحيد ، ويرشد في قوله وفعله إلى المواساة والمساواة ، داعية الأمن ورسول السلام والوئام ، ثم ومن وراء ذلك ، القلب الطاهر والضمير النزيه .
    أما لو انقلبت القضية وانعكست الآية ، ذلك إذ نراه ولا نراه واجدا لتلك الصفات ، ذلك إذ نراه ولا نراه إلا فاقدا لتلك الهبات ، فما ذلك إلا السبع الضاري ، والذئب الذي تقمص لباس الانسان يحذر ويجتنب ويجانب ، بل يحارب بكل لسان
    وسنان ، فهو رجل السوء الذي يخشى منه الخطر والسوء على الدنيا والدين ، وعلى المجموعة الانسانية في مختلف الأحوال والشؤون ، يد شلاء لا تمد بالخير ولا إلى الخير ، وإن مدت فما هو إلا لاغتصاب الحقوق واستلاب الأموال ، وما هو إلا لاعتصار دم الأرامل واليتامى والمساكين ، ورجل زمنة لا تسعى لصلاح ولا لإصلاح ، وإن سعت فما هو إلا لجلب مغنم دفع ، ومغرم يعود بالصلاح له أو لنسيب له أو قريب ، وعين عمياء لا تنظر في حسن ولا قبح ، وإن نظرت فما هي إلا لتبص عن كثب من يدعو إليها بالباطل ومن يثني عليها بالثناء المكذوب ، ومن لا يرضى إلا بالحق ولا ينطق إلا بالصدق ، يتمتع بالكرامة والحرص على الشرف والدين الصحيح .
    تبص هذا وذاك لتقرب هذا وتبعد ذاك ، وتنفع هذا وتضر ذاك ، ثم هو الأدهى والأمر ، فكر مقيد محدود لا يتجاوز حدود المحيط الذي يعيش فيه ، بل لا يتعدى جدران البيت الذي يكنه وأهليه ، لا يدري ماذا في العالم من تقدم وتأخر ، ومن ذا هو المتقدم والمتأخر ، وماذا يجب له ، وماذا يجب عليه ، نظرة فردية وفكرة شخصية لا تمت إلى الصالح العام بسبب ، ولا تتصل في خير المجموعة بنصيب .
    يرى أن له النهي والأمر ، ولكن لا نهي ولا أمر ، لا نهي عن منكر ولا أمر بمعروف ، لا يردع عن منكرات الأعمال ، ولا يدفع مساوي الخصال ، لا يسوؤه تفسخ الأخلاق ، ولا تفكك القواعد والعقائد ، قديم متزمت ، وحديث متفلت ، لا يلتقيان في نقطة اتفاق ، وهم منهم بالمنظر الأدنى وبالأفق القريب ، ثم لا يهم ذلك في قليل ولا كثير . وهنا موضع الأسرار فلنقف ولنمسك عنان اليراع عن أن يضل في ميادين الاسفاف والاسراف ، والله مطلع على ما يكنه القلب ويخط على لوح الفؤاد ، إني لم أقصد بذلك قصد السوء ، ولم أرم إلى هدف ، ولم أرد بذلك شخصا معينا وحاشا الموجودين من علمائنا من خطرات السوء وهمزات العائبين ، إنما المرمى بذلك علماء السوء ، فليتفطن المتفطنون .
    وعلى أي حال ، ومهما يكن من أمر ، فقد عرفت عرفانا لا يقبل الشك والارتياب أن التشريع الديني والتحرر الفكري يقضيان قضاء جازما لا رد فيه ولا ترديد بفتح باب الاجتهاد فتحا يفتح به ألف باب ، ولا يريان سد هذا الباب بوجه من
    الوجوه .
    فهاهنا سؤال هو منبت الداء وأصل البلاء ، هو : أنه من سد هذا الباب في هذا اليوم وقد يقدر له أن يبقى مسدودا ولا يقدر أن يفتح مهما تعاقبت الأجيال والسنين ، وهو باب قد كان مفتوحا على مصراعيه عند الصحابة والتابعين وتابعي التابعين باعتراف من الجميع لا يقبل الجدل والانكار ، وقد ينفتح لنا - ببركة فتح باب الاجتهاد - ؟ من هذا السؤال سؤال آخر : هو أن سد باب الاجتهاد في هذا اليوم وهذا العصر كان باجتهاد أم كان بتقليد ؟ إن قلت بالأول ناقضت مبدأك الذي تسير عليه ، فإن هذا فتح لباب الاجتهاد وأنت تستنكره أشد الاستنكار . وإن قلت بالثاني انتكست عن اعتراف لا تجد مجالا فيه لإنكار أو جحود ، فمن الذي قاله من الصحابة والتابعين يتبع فيه إن صح اتباعهم أو تقليدهم في مثل هذه الشؤون .
    لقد عرفت أن التقليد - وقد عرفت معناه ومغزاه - إنما سوغ واستسيغ لمن لم يبلغ مرتبة الاجتهاد من المكلفين بما دلت عليه أدلته من آيات وروايات ، وبما ظهر لك من شئ أو بعض شئ من الحكم والفوائد .
    هذا شئ لا ينكره العقلاء ولا المتشرعون ، لكن من الذي فرض على الناس أن يكونوا جهلاء حتى يحكم عليهم بالاتباع والتقليد ؟ ومن الذي خول أولئك المذاهب أن يحرزوا مرتبة الاجتهاد ثم يقف الاجتهاد عند حد هؤلاء فلا يعود سائغ
    الحصول والتحصيل لغيرهم من الناس أجمعين ؟ إن هذه في الحقيقة جناية على العلم والعلماء ، وعلى الأفكار والمفكرين ، بل هي جناية على المذاهب أنفسهم إذ ذلك خلف لقولهم ، وخلاف لفعلهم بالوجه الصريح .
    أيجمل بنا ونحن في القرن العشرين - قرن التنور والحضارة ، وعصر النور والكهرباء ودور التحرر والحرية في المبادئ والمذاهب والأديان - أن نقف هذا الموقف الفاشل من الجمود ؟ ! لا يرضى الشرع بذلك ولا الحرية - يا أيها المتحررون - .
    أجل ظهر من الفقهاء من اتخذ الدين آلة للدنيا ، ووسيلة تقربه إلى سلاطين العصر زلفى ، ثم من وراء ذلك الدراهم والدنانير ، والحور والقصور ، فاستخدموا العلم في مصالح السلطة ، وتبرير عمل الحكام والأمراء ، استعراض بعض شواهدها التاريخية يرفع عنها صحائف العلم والعلماء ، فلنضرب عن تلك الصفحات صفحا فما هي إلا سواد في سواد في وجه التاريخ وصفحات العصور والدهور ، إن مثل هؤلاء لجدير أن يقبر علمهم حيث يقبرون ، وأن يحثى عليه وعليهم الرماد دون التراب ، وأن يسد اجتهادهم بألف باب وباب ، ولا يذكر لهم من الفقه والعلم قليل ولا كثير ، لكن هذا كله لا يبرر لنا أن نسد باب الاجتهاد من رأس ، فمن وراء ذلك محاذير ومحاذير .
    إنا نحاول - ببركة فتح باب الاجتهاد - أن ينفتح لنا كثير من المشاكل والمعضلات ، وأن يسير الناس في الدين قدما لا يلوون على شئ ، ولا يصدهم عن طريقهم إليه عثرات الالتواء والتقيد ، الأمر الذي ستساعدنا على تحقيقه - حيث
    انتبهوا إليه في الآونة الأخيرة - كتبة إخواننا المصريين قادة الرأي لإخوانهم في العصر الحديث ، وإلا فقل لي - أيها القارئ الكريم - ماذا نصنع ونحن لا نريد أن نخطو موطئ قدم عن تراث الأولين في هذه الحوادث المتجددة في مختلف شؤون الحياة ، والحياة كل آن في طور جديد ، وليس لمتوهم أن يتوهم فيأخذ هذا برهانا على صحة العمل بالقياس ، إذ ليس في النصوص الواردة متسع لهذه الحوادث ، ولكنه وهم ليس له من الحقيقة نصيب ، فإن في تطبيق الحاجة إلى مثل القياس والاستحسان ، وما ذلك التطبيق من القياس بوجه من الوجوه على أن لنا في الأصول العلمية الأربعة دليلا إن أعوزنا الدليل على حين لا إعواز في الدليل .
    _____________________
    ( 1 ) سورة التوبة : 122 .
    ( 2 ) تهذيب الوصول : 283 .
    ( 3 ) كفاية الأصول : 463 - 464 .
    ( 4 ) كفاية الأصول : 466 - 467 .
    ( 5 ) العدة في أصول الفقه : 2 / 723 - 724 .
    ( 6 ) عدة الأصول : 2 / 727 - 729 .
    ( 7 ) عدة الأصول : 2 / 725 .
    ( 8 ) تهذيب الوصول إلى علم الأصول : 287 - 288 .
    ( 9 ) المستصفى للغزالي : 361 ، الإحكام للآمدي : 3 / 287 .
    ( 10 ) السنن الكبرى للبيهقي : 10 / 116 ، المستصفى للغزالي : 361 .
    ( 11 ) المستصفى للغزالي : 361 ، الإحكام للآمدي : 4 / 187 .
    ( 12 ) سورة النجم : 3 - 4 .
    ( 13 ) سوره الجاثية : 6 .
    ( 14 ) سورة النجم : 3 .
    ( 15 ) سورة التوبة : 43 .
    ( 16 ) مسند أحمد بن حنبل : 6 / 247 ، السنن الكبرى للبيهقي : 5 / 6 و 95 .
    ( 17 ) تهذيب الوصول إلى علم الأصول : 283 - 284 .
    ( 18 ) سورة النجم : 3 - 4 .
    ( 19 ) كنز العمال : 6 / 99 - 100 ح 1508 ، 1519 ، 1520 ، 1522 .
    ( 20 ) عدة الأصول : 2 / 733 - 735 .
    ( 21 ) سورة المائدة : 49 .
    ( 22 ) سورة المائدة : 44 .
    ( 23 ) سورة النجم : 3 - 4 .
    ( 24 ) سورة يونس : 15 .
    ( 25 ) سورة النحل : 43 ، سورة الأنبياء : 7 .
    ( 26 ) اصطلاحات الأصول للمشكيني : 20 .
    ( 27 ) وسائل الشيعة : 27 / 131 ح 20 .
    ( 28 ) سورة التوبة : 122 .
    ( 29 ) عدة الأصول : 2 / 729 - 731 .
    ( 30 ) الاحتجاج : 2 / 107 ، الفصول المهمة للحر العاملي : 1 / 540 .
    ( 31 ) تهذيب الأحكام : 6 / 301 ح 844 ، وسائل الشيعة : 27 / 123 ح 33378 .
    ( 32 ) من لا يحضره الفقيه : 3 / 5 ح 17 ، تهذيب الأحكام : 6 / 301 ح 843 ، وسائل الشيعة : 27 / 113 ح 33353 .
    ( 33 ) سورة آل عمران : 191 .
    ( 34 ) سورة البقرة : 185 .
    ( 35 ) سورة الحج : 78 .
    ( 36 ) الناصريات : 46 .





الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •