كيف استطاع عمر منع النبي من كتابة الكتاب مع أن الله عصم نبيّه في التبليغ؟



السؤال :
من المعروف عندنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله عندما حضرته الشهاده بسبب سم عائشه عليها لعائن الله قال_أنقل لكم بالمعنى_(آتوني بورقه وقلم أكتب لكم كتاب لن تضلوا به من بعدي) فقال الظالم عمر بن الخطاب لعنه الله إن الرجل لبهجر فغضب النبي فطرده ومن معه ومن ثم لم يكتب الكتاب.
دخلنا في نقاش مع احد البكرين فطرح علينا عدة تساؤلات استطعت أن أُجيب على معظمها ولكن هذه النقطه لم أستطع حيث قال كيف لعمر أن يمنع الوحي الذي ينزل على رسول الله ولا يكتب الكتاب؟؟
وهل الله لم يعصم نبيه من عمر في التبليغ؟؟(والله عاصمك من الناس)








الجواب :
وماذا يفعل هذا البكري الغبي بما جرى في الحديبية؟! فإن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد توجّه مع أمّته أجمع قاصدا بيت الله الحرام للعمرة بأمره جلّ وعلا، فكيف لم يعصم الله نبيّه من المشركين وهو الذي قد أوحى إليه بأن يتوجّه إلى بيته بمكة؟! وكيف استطاع المشركون منعه وصدّه فاضطر النبي (صلى الله عليه وآله) لترك ذلك؟! وكيف عدل النبي (صلى الله عليه وآله) عن إنفاذ أمر الله تعالى بالتوجه إلى البيت الحرام ولم يُقاتل المشركين؟! رغم أن ذلك لو وقع لكانت الغلبة فيه للمسلمين والهزيمة للمشركين وذلك بضمان الله تعالى، فإنه سبحانه يقول في شأن الحديبية: ”وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا“. (الفتح: 23).
فإذا كان إنفاذ أمر الله تعالى في كتابة الكتاب لا يمكن العدول عنه أبدا؛ فكذلك إنفاذ أمر الله تعالى في التوجه إلى مكة للعمرة. وإذا كان الله عاصما لنبيّه من المنافقين في كتابة الكتاب؛ فكذلك هو عاصم لنبيّه من المشركين في دخول المسجد الحرام. فماذا يفعل هذا البكري الغبي الآن؟!
إنْ قال: إنّ وحي الله تعالى لنبيّه بأن يتوجّه إلى المسجد الحرام كان مشروطا بأن لا يصدّه أحد من المشركين، وأما إذ صدّوه فإنه يعدل عنه إلى الصلح، والله عاصم نبيّه على كل حال.
قلنا: وكذلك وحي الله تعالى لنبيّه بأن يوصي كتابة يوم الخميس، فإنه كان مشروطا بأن لا يصدّه أحد من المنافقين، وأما إذ صدّوه فإنه يعدل عنه إلى أن يوصي شفاهة، والله عاصم نبيّه على كل حال.
ولو أن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أصرّ على كتابة ذلك الكتاب؛ لوقع ما هو أعظم من عدم كتابته، وهو التشكيك في أصل أوامره وما يبلّغه عن الله تعالى، ومنه آيات الوحي، فإن عمر ومن معه من المنافقين (عليهم لعائن الله) كانوا سيصرّون - في حالة كتابة الكتاب - على أن النبي كان حينها في حالة هجر وهذيان ولم يكن في وعيه الكامل! وكان ذلك سيفتح باب التشكيك في كل ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله، فهل أنه حين بلّغ هذه الآية للأمة أو ألقى ذلك الحديث لهم؛ كان في كامل قواه العقلية أم أنه كان يهجر ويهذي والعياذ بالله؟!
وبذا تُتاح الفرصة لعمر وحزبه (لعنهم الله) لأن يحذفوا من آيات القرآن ما شاءوا، ولأن يردّوا من الأحاديث الشريفة ما رغبوا، وكان نتاج كل ذلك شك الناس في أصل نبوّته ورسالته صلى الله عليه وآله وسلم.
لذا فإن النبي (صلى الله عليه وآله) اضطر لأن يعدل عن كتابة الكتاب لئلا يقع في الإسلام فتق أعظم من عدم كتابته، فإن القوم حيث رفضوا أمره وبلغت بهم الوقاحة أن تطاولوا عليه واتهموه بالهجر والهذيان؛ فإنه لا يكون لإصراره على كتابة الكتاب معنى ولا فيه مصلحة، لأن القوم رافضون على كل حال، ولن يتورّعوا عن تشكيك الناس في كل ما صدر عن النبي لاحقا.
لهذا وجدنا أنه حين جرى ما جرى في رزية الخميس، وجاءه بعض الأصحاب في ما بعد نادمين وقد أبدوا رغبتهم بأن يقرّبوا له الدواة والكتف ليكتب وصيته؛ فإنه (صلى الله عليه وآله) رفض ذلك واكتفى بالوصية الشفهية. فقد قالوا له: ”ألا نأتيك بكتف يا رسول الله ودواة؟ فقال: أَ بعدَ الذي قلتم؟! لا، ولكنني أوصيكم بأهل بيتي خيرا“. (إرشاد المفيد ج1 ص184).
ورُوي في شأن هذه الوصية الشفهية يومئذ عن أم سلمة رضوان الله تعالى عليها: ”سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي قُبِض فيه يقول وقد امتلأت الحجرة من أصحابه: أيها الناس، يوشك أن أقبض سريعا فيُنطلق بي، وقد قدمت إليكم المعذرة إليكم، ألا إني مخلِّف فيكم كتاب الله ربّي عز وجل، وعترتي أهل بيتي. ثم أخذ بيد علي فقال: هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي، خليفتان نصيران، لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض فأسألهما ماذا خُلِّفتُ فيهما“. (كشف الغمة للإربلي ص43 ونحوه في المعجم الأوسط للطبراني ج5 ص135).
وأما الآية الشريفة التي تقول: ”يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ“، (المائدة: 68) فمعناها عصمة الله لنبيّه في أصل تبليغه للناس خلافة وصيّه علي بن أبي طالب (عليهما السلام) فإن ذلك يتمّ وتتمّ البيعة عليه في يوم الغدير إذ الآية نزلت هناك، وليس عدم تمكّن النبي (صلى الله عليه وآله) من تبليغ ذلك كتابةً في يوم الخميس بناقض لتلك العصمة، لأنه مورد مشروط، والله عاصم لنبيّه على كل حال، وكان من عصمته له أمره إياه بالعدول عن كتابة الكتاب بعد الذي صنعه المنافقون من الجرأة والجسارة.
وقد بلّغ النبي (صلى الله عليه وآله) الأمر الإلهي بجعل علي (عليه السلام) إماما وخليفة؛ مرات وكرّات، خاصة في الأيام الأخيرة من حياته الشريفة، ولم يكن أمره بكتابة الكتاب إلا رغبة في توكيد الأمر، وإذ تبيّن أن القوم عازمون على نقضه فإنه لا يكون من الحكمة الإصرار على كتابة الكتاب مع ما سيترتّب عليه من خرق أعظم يتمثّل في تشكيك الناس في أصل نبوة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، فإن ذلك ما كان ليبقي للإسلام إسما ولا رسما.
قد قال الله تعالى: ” إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ“. (النمل 81 - 82). ومنه تعرف أن النبي (صلى الله عليه وآله) مأمور بالتبليغ، وهو يقوم بوظيفته في إيصال الوحي، ولكن إذا ولّى الكافرون والمنافقون مدبرين، فلا يجب عليه ذلك، فإنما هم موتى وصمٌّ وعميٌ، وهكذا فعل عمر بن الخطاب وحزبه (لعنهم الله) ولذلك لم يكن يجب على النبي (صلى الله عليه وآله) كتابة ذلك الكتاب لهم، لأنهم موتى وصم وعمي، فأي فائدة في كتابة الكتاب لمثل هؤلاء المنافقين؟!
ومهما يكن من أمر؛ فإن الإشكال مشترك، لأن المخالف يروي حادثة رزية الخميس وإن لم يعترف بأن الكتاب الذي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بصدد كتابته كان سيتضمن النص على استخلاف علي عليه السلام. فعلى المخالف أن يحلّ الإشكال بنفسه، وأن يفسّر تراجع النبي (صلى الله عليه وآله) عن إنفاذ أمره بعد مجابهة عمر وأصحابه (لعنهم الله) له، وما يقوله المخالف هناك نقوله هنا.
وبهذا يتبيّن لك أن البكري الذي أشكل عليك غبي وجاهل إلى أقصى حد!