بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى.
فميراث الامام الحسين (عليه السلام) من جده النبي المصطفى ما نص عليه (صلى الله عليه وآله) حيث قال "وأما الحسين فله جودي وشجاعتي" [1]
هكذا كان ميراثه صلى الله عليه وآله وسلم لولديه ، فورث الحسين عليه السلام جوده وشجاعته ، وورث الحسن عليه السلام هيبته وسؤدده . كان هذا الإرث النبوي يتقاسمه الوريثان من قبل ومن بعد ، فقبل وفاة جدهما كانت بوادر الإرث النبوي قد بدت على الغلاميين الهاشميين ، وهما يرفلان في عناية إلهية ما انفكت عنهم وعن أبويهما يوم جللهما بالكساء اليماني ، وقال : « اللهم هؤلاء آلي فصل على محمد وعلى آل محمد » وأنزل الله عز وجل : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا )[2] [3] . ولطالما كان يقول صلى الله عليه وآله وسلم : « أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم»[4] .
ولكم كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينوه عن حبه لابنيه هذين حتى أنه صلى الله عليه وآله وسلم ما ترك مناسبة إلا وأشهد المسلمين على حبه إياهما .
فما رواه أسامة بن زيد قال : طرقت باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة لبعض الحاجة ، فخرج إلي وهو مشتمل على شيء لا أدري ماهو ، فلما فرغت من حاجتي قلت : ما هذا الذي أنت مشتمل عليه ؟ فكشف فإذا حسن وحسين على وركيه فقال : « هذان ابناي وابنا ابنتي ، اللهم إني أحبهما فأحبهما ، وأحب من يحبهما»[5] .
ولم يكن ذلك التنويه مقتصرا لأصحابه بل خص أهله وعمومته وأقرهم على حبهما وعظيم منزلتهما حتى صار ذلك مركوزا لدى الهاشميين من أهله كما هو مركوز عند المسلمين طرا .
وعن مدرك بن عمارة قال : رأيت ابن عباس آخذا بركاب الحسن والحسين فقيل له : أتأخذ بركابهما وأنت أسن منهما ؟ فقال : إن هذين ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أوليس من سعادتي أن آخذ بركابهما[6] ؟!
هذه عناية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لولديه ، ولم تنقطع هذه الرعاية الخاصة بانقطاع الوحي ، عند رحيله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ملكوت الله الأعلى ؛ ليكون قرير العين بسبطيه هذين وأبويهما ، وهم يحملون عيبة علمه ومكنون حكمته ، وضن عليهم من التخلف عنهم وتركهم ، فقال : « يا أيها الناس إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي ، أمرين أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض و عترتي أهل بيتي ، وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض»[7] .
ولم تكن أمته قد سمعت ما وعته بالأمس حتى تستعدي عليهم اليوم ، فهذا علي عليه السلام يهجره المهاجرون ، ويخذله الأنصار ، ويحيلونه إلى مأمور بعد ما كان أميرهم في غدير خم ، تلك الواقعة التي أكحلت عيون قوم وزكمت أنوف آخرين . فما كان من هؤلاء إلا ويسوقون عليا عليه السلام إلى بيعتهم مكثورا ، يخذله قومه وأهل مودته ، إلا نفر ثبت رغم بريق السيوف وشروع الأسنة ، وليس للحسن بن علي عليهما السلام شأن للنصرة عند هؤلاء القوم ، الذين آثروا ابن حرب على حربهم مع سبط الرسول فأسلموه عند الوقعة ، وأحبوا العافية عند نصرة الحق ، واختاروا الخضوع على العزة في ظل كتاب الله وعترة نبيهم ، ولم يحيلوا بينه وبين عدوه ، الذي جرعه غصص الفتن قبل أن يجرعه كأس المنون على يد زوجته جعدة بنت الأشعث ، فذهب صابرا محتسبا يشكو مالاقاه لربه ، ويبث ما عناه لجده .
وفي كربلاء موعد القوم مع آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، حيث يناجزون سبطه الحبيب بكل خسيسة حرب ودخيلة صدور ، فينكفئون على آله بسيوف الحقد وسهام الغدر ، يرمونهم من كل ناحية ؛ ليكون لرضيعه سهم المنون كما كان له نصيب من الظمأ ، وانهالوا على أهله قتلا وتنكيلا . فأحرقوا خيامهم ، وأركبوهم أسارى بغير وطاء ولا غطاء .
لم تنته واقعة الطف بعد ، بل كأنها بدأت منذ لحظة تسييرهم سبايا ، فهذا الإمام زين العابدين عليه السلام يتصدى لخطط هؤلاء القوم ، الذين أذاعوا بين العامة أنهم أسرى خوارج ، فيقول عند دخوله الكوفة : «أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أنا ابن من انتهكت حرمته وسلبت نعمته وانتهب ماله وسبي عياله ، أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا تراث ، أنا ابن من قتل صبرا وكفى بذلك فخرا .
أيها الناس ناشدتكم الله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهود والميثاق والبيعة وقاتلتموه ، فتبا لكم لما قدمتم لانفسكم ، وسوأة لرأيكم ، بأية عين تنظرون إلى رسول الله إذ يقول لكم : قتلتم عترتي ، وانتهكتم حرمتي ، فلستم من أمتي » . فارتفعت الأصوات بالبكاء وقالو : هلكتم وما تعلمون[8] .
وهكذا يدأب الإمام على كشف الحقائق وفضح الأباطيل ، ثم هو بعد ذلك يتصدى لإحباط المحاولات في التمويه على الواقع ، ولم يقتصر الأمر على الإمام في جهده المقدس لكشف الحقائق ، فإن لربيبة الوحي دورا تلقيه ظروف الدعوة هذه .
بعد وصول الركب إلى الكوفة كانت زينب بنت علي عليهما السلام تلملم جراحها ، وترنو إلى الإمام لئلا يصيبه مكروه ، وإلى العائلة لئلا تكترث من هول الوقعة ، وفجيعة المصاب ، ثم هي تقف ثابتة بثبات المبدأ ، شامخة بشموخ الرأس الشريف ، الذي علا على رمح عال يتطلع إلى ما يجري حوله من تخاذل القوم وصمود الآل .
كانت زينب عليها السلام صامدة رغم ما تعانيه من تتابع الأهوال ، وهي في هذا تتابع الأحداث ، والخطب جلل ، والجرح لما يندمل ، فقالت من خطبة لها :
«ويلكم يا أهل الكوفة أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم ؟ وأي كريمة له أبرزتم ؟ وأي دم له سفكتم ؟ وأي حرمة له انتهكتم ؟ لقد جئتم شيئاً إداً ، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّاً .
ولقد أتيتم بها خرقاء شوهاء ، كطلاع الأرض وملء السماء ، أفعجبتم أن مطرت السماء دماً ، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون ؟ فلا يستخفنكم المهل ، فإنه لا يحفزه البدار ، ولا يخاف فوت الثأر ، وإن ربكم لبالمرصاد»[9] .
كان أهل الكوفة على موعد مع صوت علي بن أبي طالب عليه السلام صوت العدالة الهادر .. فهذه هي ابنته تفرغ عن لسان أبيها كل ما كان يجلجل في خطرات القلوب ، وحبس الضمائر على باطل جلي ، يتضور منه الحق ، وتندك من خذلانه العزائم .
وكان علي عليه السلام كلما علا منبرا تطأطأت معه تلاع النفاق ، وخبت جذوة الفتن ، وأماط القناع عن أهل الضغائن ، وأطاح بمخلفات التحالف يوم كانت تتربص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قعودا عن كل نجدة في الدفاع عن الدين الحنيف . فهزيمة الأصحاب في أحد .. يرثها المخلفون من أهل النفاق يوم تغص صفين بحربها الضروس ، ويرتد أهل الفتنة في حرب الجمل الهزيل عن كل حق ، والبطين بكل خسيسة ؛ ليحمل أمهم الخرقاء ، فتقودهم إلى مساومات السياسة وتجارة المناصب .
هذه هي زينب عليها السلام في وقفتها الكوفية ، نطقت فأخرست ألسن النفاق ، وتجلببت فمزقت حجب الزور وهي ترنو إلى قصر الإمارة الخاوي عن كل حقيقة ، وقد أسس على جرف هار عندما شيدت يد الغدر جدران السقيفة ، وعقدت سداسية الشورى بمؤامراتها الهزيلة ، وصرح الخضراء الشامي تعقد فيه ليال حمراء على خرافة زهد الشيخين ، اللذين بعثا بالطليق ليطلق كل غدر على آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
ولم تدع ربات الحجال أن ينقطع صوت علي عليه السلام ، حتى لا يبيغ الباطل بأهله ، وتلتبس على الجاهل سبل الحق بطرائق الأهواء . فتلتحف فاطمة بثبات فاطمة ، لتقف أمام القوم كما وقفت أمها من قبل ، تجلجل بصرختها ممزقة أستار دسائس الغدر في دياجير العقبة الدامسة ، حتى صبيحة السقيفة ، ولتكشف بخطبتها خطط القوم ، وهم مقنعون بلباس الصحبة البالي الذي راح يرتديه قطاع طرق الأحداث ، ومحترفو مساومات الجاه ، ومتسكعو المناصب البليدة .
كانت فاطمة بنت الحسين عليهما السلام تحكي في خطبتها قصة تاريخ ملبد بالمكائد ، ومواقف النكوص . فبدأت في كلامها بحمد الله والثناء عليه ، والشهادة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة ، ثم عرفت القوم بأولاده حيث قالت :
«اللهم إني أعوذ بك أن أفتري عليك ، وأن أقول عليك خلاف ما أنزلت من أخذ العهود والوصية لعلي بن أبي طالب المغلوب حقه من غير ذنب ، كما قتل ولده بالأمس في بيت من بيوت الله تعالى ، فيه معشر مسلمة بألسنتهم ، تعسا لرؤوسهم ، ما دفعت عنه ضيما في حياته ولا عند مماته ، حتى قبضه الله إليه محمود النقيبة ، طيب العريكة ، معروف المناقب ، مشهور المذاهب ، لم تأخذه في الله لومة لائم ، ولا عذل عاذل ، هديته ـ اللهم ـ للإسلام صغيرا ، وحمدت مناقبه كبيرا ، ولم يزل ناصحا لك ولرسولك ، زاهدا في الدنيا غير حريص عليها ، راغبا في الآخرة ، مجاهدا لك في سبيلك ، رضيته فاخترته وهديته إلى صراط مستقيم .
أما بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل المكر والغدر والخيلاء ، فإنا أهل بيت ابتلانا الله بكم ، وابتلاكم بنا ، فجعل بلاءنا حسنا ، وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا ، فنحن عيبة علمه ، ووعاء فهمه وحكمته ، وحجته على الأرض في بلاده لعباده ، أكرمنا الله بكرامته ، وفضلنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم على كثير ممن خلق الله تفضيلا . فكذبتمونا وكفرتمونا ، ورأيتم قتالنا حلالا ، وأموالنا نهبا ، كأننا أولاد ترك أو كابل ، كما قتلتم جدنا بالأمس ، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدم ، قرت لذلك عيونكم ، وفرحت قلوبكم افتراء على الله ، ومكرا مكرتم ، والله خير الماكرين ، فلا تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا ، ونالت أيديكم من أموالنا ، فإن ما أصابنا من المصائب الجليلة ، والرزايا العظيمة في كتاب من قبل أن نبرأها ، إن ذلك على الله يسير ، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم ، والله لا يحب كل مختال فخور»[10] .
هكذا كان آل الحسين عليهم السلام بعد قفولهم من أرض الفداء كربلاء الشهادة ، يوضحون للأمة كل ما أخفاه حقد الأعداء وكيد أزلامهم ، فكانوا غصة في حلق هؤلاء ، وشجة في لسان نصرهم المزعوم . فلم يكد آل أمية يتبجحون بسوأتهم هذه حتى تصك أسماعهم واعية الحسين عليه السلام على لسان زينب بنت علي ، وفاطمة بنت الحسين عليهم السلام ، ولا زالت خطب الإمام السجاد عليه السلام تلعلع في خلوات الحق حينما ينطق كاظم الغاوين ، وينبغ خامل الأقلين ، ويهدر فنيق المبطلين ، كما شخصت ذلك سيدة النساء في ملحمتها الفدكية ، وسجلت بذلك ملاحم الفتن ، وموارد النكوص ، وبوائق الخذلان .
ولم يفتأ آل حرب عن حرب آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فبين قتيل أو طريد أو شريد ، يحصون عليهم أنفاسهم ، ويتحينون كل ما وسعهم في تنكيلهم والوقيعة فيهم ، فكلما أوقدوا للحرب نارا أطفأها الله ، وكلما أرادوا إطفاء نورهم أبى الله إلا أن يتم نوره ، ووجد آل حرب أن حربهم لآل الله لا يزيد قدرهم إلا علوا ، ولا شأنهم إلا سموا ، ولا ذكرهم إلا رفعة . فعكفوا على تزوير الحق ، والكذب ، والطعن ، واختلاق كل ما من شأنه أن يظهر منقصة يقتنصونها ، وقبيحة يستقبحون بها أهل الطهر والفضائل ؛ ليساووهم بأهل العهر والرذائل .
هكذا أراد آل أمية أن يحاربوا آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فراحوا إلى كل ما لصق بهم من مساوئ وبوائق الرذيلة ، عاكفين أن يجعلوها في آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فأبى الله إلا أن يظهر الحق ، ويميط النقاب عن كل إفك وكذب وتزوير ، فكانت قصة سكينة بنت الحسين عليهما السلام جهدا أمويا خالصا ، حرصوا فيه على تشويه الحقائق وتزويرها ، فكان الله من ورائهم محيط .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
[1] الإرشاد للمفيد 7 : 2 ، إعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي : 210 ، الخصال للصدوق77 : 1 وفيه : جرأتي وجودي وفي رواية أخرى : سخائي وشجاعتي ، بحار الأنوار 293 : 43 ، مقتل الحسين للخوارزمي 105 : 1 ، الإصابة لا بن حجر 316 : 4 رقم 481 ترجمة زينب بنت أبي رافع ، أسد الغابة130 : 7 رقم 6955 ، البداية والنهاية 161 : 8 ، ذخائرالعقبى لمحب الدين الطبري : 129 ، المعجم الأوسط للطبراني 136 : 7 ح 6241 وفيه : كرامتي وجودي ، مجمع الزوائد 185 : 9 ، وأخرجه ابن منده ، وابن عساكر في تاريخه ، والمتقي الهندي في كنز العمال ، وأبو نعيم وغيرهم .
[2] الأحزاب 33 : 33 .
[3] المستدرك على الصحيحين 160 : 3 ح 4709 ، دار الكتب العلمية .
[4] المستدرك على الصحيحين 3 : 161 ح 4713 .
[5] سنن الترمذي 5 : 656 ح 3769 كتاب المناقب ، ب31 مناقب الحسن والحسين .
[6] ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر من تاريخ دمشق ، تحقيق المحمودي : 146 ح188 .
[7] المعجم الكبير للطبراني 3 : 65 .
[8] مقتل الحسين للسيد عبد الرزاق المقرم : 316 و317 .
[9] مقتل الحسين للمقرم : 312 .
[10] مقتل الحسين للمقرم : 314 .