بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى.
ذهب علماؤنا ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ إلى حرمة الغناء[1] ، وادعوا الإجماع عليه ، بل عدوه من ضرورات المذهب للأدلة الواردة في حرمته من آيات وروايات لعلها متواترة . كما ذهب إلى ذلك بعضهم ، فمن ذلك تفسير قوله تعالى: ( لا يشهدون الزور )[2] بالغناء كما في صحيحة محمد بن مسلم ، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام[3] .
وتفسير الغناء بالزور في قوله تعالى: ( واجتنبوا قول الزور )[4] كما في صحيحة زيد الشحام ، ومرسلة ابن أبي عمير ، وموثقة أبي بصير[5] .
وما ورد في تفسير لهو الحديث بالغناء كما في صحيحة محمد بن مسلم[6] .
ومن الروايات ما تواتر من حرمة الغناء كما في رواية يونس قال: سألت الخراساني صلوات الله عليه عن الغناء وقلت: إن العباسي ذكر عنك أنك ترخص في الغناء ، فقال: « كذب الزنديق ما هكذا قلت له ، سألني عن الغناء فقلت له: إن رجلا أتى أبا جعفر عليه السلام فسأله عن الغناء فقال: يافلان إذا ميز الله بين الحق والباطل فأين يكون الغناء ؟ قال: مع الباطل ، فقال: حكمت»[7] .
وعن عبد الأعلى قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الغناء وقلت: إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رخص في أن يقال: حيونا حيونا نحييكم . فقال: «إن الله تعالى يقول: ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين* لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين* بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون )[8] ـ ثم قال ـ : ويل لفلان مما يصف ، رجل لم يحضر المجلس» [9] .
وفي مرسلة المقنع عن الصادق عليه السلام: «شر الأصوات الغناء» [10] .
وفي الخصال بسنده عن الحسن بن هارون قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: «الغناء يورث النفاق ويعقب الفقر»[11] .
ويعضده الأخبار الدالة على تحريم الاستماع له كما في صحيحة مسعدة بن زياد قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فقال له رجل: بأبي أنت وأمي إني أدخل كنيفا ولي جيران ، وعندهم جوار يتغنين ويضربن بالعود ، فربما أطلت الجلوس استماعا مني لهن ، فقال:«لاتفعل» ، فقال الرجل والله ما أتيتهن وإنما هو سماع اسمعه بأذني ، فقال: « بالله أنت أما سمعت الله تعالى يقول: ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا )» ؟ فقال: بلى والله وكأني لم أسمع بهذه الآية من كتاب الله تعالى من عجمي ولا عربي ، لا جرم أني لا أعود إن شاء الله تعالى ، وأني أستغفر الله ، فقال له: «فاغتسل وصل مابدا لك ، فإنك كنت مقيما على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو مت على ذلك ، إحمد الله وسله التوبة من كل ما يكره ، فإنه لا يكره إلا كل قبيح ، والقبيح دعه لأهله ، فإن لكلّ أهلا»[12] .
وعن عنبسة ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: « استماع الغناء واللهو ينبت النفاق في القلب ، كما ينبت الماء الزرع»[13] .
وما ورد في حرمة شراء المغنية وأن ثمنها سحت ، كما في الكافي عن الحسن بن علي الوشاء قال: سئل أبوالحسن الرضا عليه السلام عن شراء المغنية ؟ فقال: « قد تكون للرجل الجارية تلهيه ، وما ثمنها إلا ثمن الكلب ، وثمن الكلب سحت ، والسحت في النار»[14] .
وعن سعيد بن محمد الطاطري ، عن أبيه ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سأله رجل عن بيع الجواري المغنيات ، فقال: « شراؤهن وبيعهن حرام ، وتعليمهن واستماعهن نفاق»[15] .
إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة ، وهي كما علمت مطلقة لا يمكن تخصيصها ، وإن التزم بعضهم ببعضها على أنها مخصصات للحرمة ، إلا أنها لا تصلح للتخصيص حقيقة لا كما فهمه البعض ، ولا مجال لذكر ما احتجوا بأنها مخصصات ، وكون الحرمة مشروطة بانضمام بعض المحرمات كمجالس اللهو ، ودخول الرجال على النساء وغير ذلك ، على أن المعارضات التي ذكرها البعض لا تقوى على معارضة ما ذكرناه من أخبار التحريم ؛ لمخالفتها لكتاب الله وموافقتها للعلامة ، وهي مرجحات لا يختلف في العمل بها أحد ، فتبقى حرمة الغناء ذاتا على حالها غير معارضة بما توهمه البعض بأنها معارضات .
هذا حكم الغناء في الشريعة ، والقصة المذكورة منافية لضرورات الدين ، ولإجماع الطائفة الحقة منذ عهد أئمتهم ـ صلوات الله عليهم ـ حتى يومنا هذا ، فكيف ينسجم واقعهم مع هذه الموضوعات بعد ذلك ؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[1] نقل الإجماع على ذلك السيد العاملي في مفتاح الكرامة 52:4 ، حيث قال: أما حكمه فلا خلاف ، كما في مجمع البرهان ، في تحريمه وتحريم الأجرة عليه وتعلمه وتعليمه واستماعه ... .
[2] الفرقان 72:25 .
[3] الوسائل 304:17 ، ب 99 من أبواب ما يكتسب به ، ح 5 .
[4] الحج 30:22 .
[5] الوسائل 303:17 و 305 ، ب 99 من أبواب ما يكتسب به ، ح 2 و 8 و 9 .
[6] المصدر السابق : 304 ، ح 6 .
[7] الوسائل 306:17 ، ب99 من أبواب ما يكتسب به ، ح 13 .
[8] الأنبياء 16:21ـ18 .
[9] الوسائل 307:17 ، ح 15 .
[10] المصدر السابق: 309 ، ح 21 .
[11] المصدر السابق: 309 ، ح23 .
[12] الوسائل 331:3 ، ب18 من أبواب الأغسال المندوبة ، ح1 .
[13] الوسائل 316:17 ، ب 101 من أبواب ما يكتسب به ، ح1 .
[14] المصدر السابق: 124 ، ب 16 ، ح6 .
[15] المصدر السابق:124 ، ح 7 .